تأملات
إذا كانت المصائب لا تأتى فرادى، فإن خطة ترامب المأساوية لشكل المنطقة ليست ذات بعد واحد وإنما متعددة ومتشابكة الأبعاد، وإذا كان الناس فى بلداننا مذهولين من حجم الفجاجة والبلطجة فى منطق الرئيس الأمريكى والمتعلق بسرقة غزة بعد تهجير أهلها، فإن المسألة يبدو، إن لم يكن من الواضح، لا تقف عند هذا الحد، وإنما تمتد لجوانب أخرى أكثر دراماتيكية.
دون تهويل أو مبالغة لا بد أن يلفت نظر أى متابع لمواقف إدارة ترامب حجم التحول فى السياسة الأمريكية تجاه التزامها بوضع إسرائيل على نحو يمكن معه القول إنها ربما تكون الأولى التى تلتزم مثل هذا النوع من المواقف. صحيح أن سياسة الولايات المتحدة ثابتة تجاه تل أبيب أيًا كان القابع فى البيت الأبيض، جمهوريًا أم ديمقراطيًا، ذوى ميول صهيونية أم لا، إلا أن الانحياز لإسرائيل لم يكن من قبل بهذا اللون الفاقع، وكان فى الغالب يرتدى واجهات أو ستائر من نوع الالتزام بأمن إسرائيل أو الدفاع عن إسرائيل، وغير ذلك من شعارات كانت تصب فى تعزيز وضع الدولة العبرية إزاء خصومها من الدول العربية.
لكن مع ترامب فإن الوضع تغير مائة وثمانين درجة حتى يبدو رئيس وزراء إسرائيل وكأنه حمامة أمام التوجهات الصقورية للرئيس الأمريكى، ولحد يكاد أن يصدق معه القول إن إسرائيل ليست سوى الولاية الأمريكية رقم 51. كل ذلك ربما كان معروفًا وربما كان ملموسًا لكنه اكتسى مواقف وأوضاعًا على الأرض من شحم ومن لحم على يد ترامب.
الفكرة الأخطر هنا التى تمثل دعوة ترامب للاستيلاء على غزة ستارًا لها، هى السعى الحميم لإدارته لتطبيق رؤية جديدة تقوم على توسع إسرائيل وتجاوز حدودها التى استقرت عليها حتى الآن، بغض النظر طبعًا عن مدى الشرعية وعدم الشرعية بشأن هذه الحدود، حيث إنه من المفترض أنه وفق القرارات الدولية فإن الضفة الغربية بما فيها القدس، وغزة حتى ما قبل 67 تمثلان الأرض الفلسطينية التى من المفترض أن تقام عليها الدولة المستقلة المنشودة.
لكن ترامب عبر عن ذلك قبل ترشحه وقبل فوزه فى الانتخابات معربًا عن أمله فى أن يرى مساحة إسرائيل وقد تمددت وتوسعت، ورغم أن الأمر بدا وكأنه لا يعبر عن موقف ثابت وإنما جاء فى سياق عارض، فإن الرجل عاد ليؤكد الفكرة، مشيرًا إلى أن «إسرائيل صغيرة جدًا فى الشرق الأوسط، مثل رأس هذا القلم مقارنة بالطاولة. هذا ليس جيدًا!»، وإذا تغافلنا عن أن رأس القلم هذا تم تحقيقه بالاغتصاب لحقوق آخرين، فإن ترامب يريد أن يقول لنا إن الجيد هو ضم المزيد من الأراضى لإسرائيل لتتسع مساحتها الأمر الذى ربما يصدر من القرارات قريبًا ما يضفى الواقعية عليه.
لا يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما تتكثف حدة الهجوم الأمريكى وهذه المرة على لسان وزير الخارجية الأمريكى ماركو روبيو، حين راح يشير إلى أنه «لو كان هناك المزيد من الإسرائيليين فى الشرق الأوسط لكان العالم أكثر أمانا»، وبغض النظر عن زيف مقولته، فإن تحققها يفترض ربما ليس فقط تهجير سكان غزة والضفة وإنما ربما تهجير أعداد غير قليلة من الدول العربية أو ما يمكن اعتباره «أسرلة» للشرق الأوسط.
وبعد أن كان التخوف لدى قطاع منا هو تحويل إسرائيل إلى قوة إقليمية عظمى فى المنطقة، فإن المسعى يتطور ليصبح قوة إقليمية عظمى وعلى مساحة جغرافية أكبر، وليس فى محيطها القائم فى تحقيق لأكثر السيناريوهات خيالًا المتعلق بـ«من النيل إلى الفرات» حدودك يا إسرائيل!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض