الزاد
الوحدة العربية كانت ولا تزال الهاجس الأكبر للقوى الاستعمارية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل. فمنذ عقود، راهن الغرب على الفرقة والانقسام داخل الصف العربى، بل ساهم فى تعميقها عبر مخططات سياسية واقتصادية، وأحيانًا عسكرية، لضمان أن تبقى الدول العربية ضعيفة ومفككة، غير قادرة على مواجهة التحديات الكبرى أو تحقيق استقلالها الحقيقى.
رغم أن الغرب قد اعتاد على استغلال الخلافات بين الدول العربية لتحقيق مصالحه، فإن أى محاولة جادة للوحدة العربية تمثل بالنسبة له «أكبر وجع»، لأنه يدرك أن العرب، متى ما اتحدوا، سيشكلون قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية مؤثرة على الساحة الدولية. فالوطن العربى يمتلك ثروات هائلة، وموقعًا استراتيجيًا فريدًا، وتاريخًا حضاريًا عريقًا، مما يجعله قادرًا على لعب دور محورى فى العالم، إذا ما تحققت الوحدة أو حتى الحد الأدنى من التوافق والتنسيق الفعّال.
اليوم، هناك فرصة ذهبية أمام العرب لاستغلال حالة عدم الرضا الدولى المتزايدة عن السياسة الأمريكية، خاصة بعد الحقبة التى قادها دونالد ترامب، والتى كشفت الوجه الحقيقى للولايات المتحدة كدولة لا تحترم حلفاءها، ولا تلتزم بالاتفاقيات الدولية، بل تتعامل بمنطق المصلحة الذاتية الفجّة. هذا الوضع خلق حالة من التذمر حتى بين دول كانت تُعد حليفة تقليدية لواشنطن. فهل يستطيع العرب استثمار هذه اللحظة التاريخية لتعزيز موقفهم الدولي؟
فى ظل هذه التغيرات، لا يمكن إغفال الدور الذى تلعبه القوى الغربية فى نشر الفرقة بين الدول العربية عبر وسائل الإعلام وحرب الجيل الرابع. أصبح نشر الشائعات والأخبار المضللة أداة رئيسية لإثارة الفتن، سواء بين الشعوب أو بين الحكومات، بهدف إضعاف أى محاولات للتقارب العربى. الإعلام الغربى يستغل الأحداث الإقليمية ليضخم الخلافات، ويخلق أزمات مصطنعة تعمق العداوات بين الدول العربية، مما يجعل من الصعب تحقيق التفاهم والتعاون. هذا النهج المدروس يهدف إلى إبقاء الدول العربية فى حالة صراع داخلى دائم، يمنعها من الالتفات إلى قضاياها الحقيقية أو العمل المشترك لمواجهة التحديات التى تهدد مستقبلها.
الوحدة العربية ليست مجرد حلم بعيد المنال، بل هى ضرورة استراتيجية لمواجهة التحديات الكبرى التى تواجه الأمة العربية، ومنها القوة الاقتصادية، حيث تمتلك الدول العربية موارد طبيعية هائلة، من النفط والغاز إلى الأراضى الزراعية الشاسعة، لكن هذه الثروات تُستنزف بسبب غياب التعاون والتكامل الاقتصادى بين الدول العربية. اتحاد الدول العربية يمكن أن يؤدى إلى إنشاء سوق عربية مشتركة، تعزز من قوة الاقتصاد العربى، وتحقق التنمية المستدامة لشعوب المنطقة. وكذلك القوة السياسية، حيث عندما تتحدث الدول العربية بصوت واحد، يصبح تأثيرها فى القرارات الدولية أقوى. أما فى حالة الانقسام، فتصبح الدول العربية مجرد أدوات فى يد القوى الكبرى، التى تستغل خلافاتها لتحقيق مصالحها.
أما على صعيد الأمن القومى، فإن التهديدات الأمنية التى تواجه الدول العربية، سواء كانت إرهابًا أو تدخلات خارجية، لا يمكن مواجهتها إلا بتعاون عربى حقيقى. توحيد الجهود الأمنية والعسكرية بين الدول العربية سيجعلها أكثر قدرة على حماية أراضيها وشعوبها. كما تظل القضية الفلسطينية الجرح النازف فى قلب الأمة العربية، ولن يكون هناك حل عادل لها دون موقف عربى موحد يفرض إرادته على الساحة الدولية.
إن وحدة الصف العربى ليست خيارًا، بل ضرورة تاريخية، وأى تقدم فى هذا الاتجاه سيشكل صدمة للغرب الذى لم يضع هذا السيناريو فى حساباته. فالوطن العربى بحاجة إلى تجاوز خلافاته الداخلية والتركيز على القضايا الكبرى التى تمس مستقبله وأمنه القومى.
الخلاصة، إذا أراد العرب أن يكون لهم مكان فى هذا العالم المتغير، عليهم أن يدركوا أن قوتهم الحقيقية تكمن فى وحدتهم، وأن أكبر ما يخشاه أعداؤهم هو أن يروا أمة عربية موحدة، قوية، قادرة على فرض إرادتها وتحقيق مصالحها.