حين تتكالب الأزمات وتتشابك المصالح، تثبت الدولة المصرية أنها صاحبة رؤية ثاقبة وحكمة متجذرة في التاريخ.
أزمة غزة الأخيرة، بكل ما حملته من مآسٍ إنسانية وصراعات إقليمية، لم تكن مجرد اختبار سياسي، بل كانت كاشفةً لجوهر المواقف وأصالة المبادئ المصرية. وبينما تقاذفت الدول المواقف وادعت جماعات جهرا وعلنا بسوء الموقف المصري بل ادعت المساهمة في حصار غزة ، كل ذلك من أجل حسابات ضيقة وآنية، ووقفت مصر بثبات، لا تزايد ولا تبتز، بل تُمارس دورها التاريخي بوطنية وشهامة، متجاوزةً كل الإغراءات والضغوط الاقتصادية الدولية.
على مدار السنوات الماضية، واجهت مصر ضغوطاً غير مسبوقة، سواء في الداخل أو الخارج، لكن بوصلتها لم تهتز، ولم تنجرف وراء عواطف غير محسوبة
وبمراجعة ما واجهته الدولة المصرية منذ معركتها ضد الإرهاب في سيناء وحتى إعادة بناء جيشها وتحديثه وما وجهته من إشاعات وافتراءات واكاذيب ، والزج بها في أزمات كبري علي حدودها في ليبيا والسودان واليمن ؛ الآن تتضح لنا الرؤية عما كان يحاك من البداية، لذا كانت تسير السياسة المصرية بخطى مدروسة، متجاهلةً كل المحاولات لجرّها إلى مستنقعات الفوضى، سواء في ليبيا، السودان، أو حتى اليمن.
رغم الضغوط المتزايدة، لم تنزلق مصر إلى مغامرات غير محسوبة، سواء في ملف سد النهضة، أو في التعامل مع الجماعات الإسلامية المعارضة في الخارج، أو حتى في استعراض قوتها الإقليمية، وللاسف لا يقدر أبناء وطننا قيمة قوة وطنه فحين ألمحت مصر إلى قدرتها على التأثير في إقليم صوماليا، ارتجفت إثيوبيا واهتزت مواقفها. هذه الإشارات وحدها كانت كافية لإعادة الحسابات، دون الحاجة إلى استعراض صاخب أو خطابات نارية.
وفي وقتٍ هرولت قوى دولية لتكوين قوى إقليمية ودولية لضرب الحوثيين، فضّلت مصر الحكمة على الاندفاع، رافضةً الانجرار إلى صراع قد يُرهق قدراتها دون تحقيق مكاسب حقيقية. رغم الضرر الذي أصاب أمن البحر الأحمر وقناة السويس، فضّلت مصر التريث والتعامل مع التهديدات بميزانٍ دقيق يجمع بين الحذر والقوة.
لم تكن مصر يوماً دولةً تُدار بردود الأفعال أو الحسابات الضيقة فسياستها لم تكن يوماً انفعالية أو اندفاعية، بل تقوم على التوازن بين الدبلوماسية والحزم، بين الحوار والتلويح بالقوة عند الضرورة. وسط التخبط والسطحية السياسية التي باتت تُهيمن على المشهد الإقليمي، بقيت مصر تُخطط بعيد المدى، تدرك أن العاطفة وحدها لا تصنع الدول، وأن التسرّع قد يكون أكثر فتكاً من التراخي.
كم من مرة شُكك في مواقف مصر؟ وكم من مرة خُذلت من أقرب حلفائها؟ لكنها بقيت ثابتة، تراهن على الزمن، والتاريخ يثبت دائماً أنها على صواب. من اتفاقية السلام مع إسرائيل التي قوبلت بالتضييق العربي حتى تبين للجميع أنها كانت القرار الأصوب، إلى مواقفها المتزنة في الأزمات الإقليمية، لا تزال مصر هي الدولة التي تُدير السياسة بحنكة، وتُراهن على التاريخ ليكون شاهدها الأكبر.
في عالمٍ تُصنع فيه القرارات باندفاع، وتُدار فيه الأزمات بردود الأفعال، تبقى مصر استثناءً. سياسةٌ لا تخضع للابتزاز، ولا تنجرُّ وراء الفوضى، ولا تتخلى عن ثوابتها. ليست مجرد دولة تتفاعل مع الأحداث، بل صانعةٌ لها، تُديرها بحكمة لا تعرف المساومة، وثبات لا تهزّه العواصف.