أحمد نجيب الهلالي كان واحد من أركان مصر في مرحلة حرجة من تاريخها، رجل السياسة والقضاء الذي جمع بين العلم والعمل الوطني، وصاغ لمصر خطوات مهمة، وإن كانت حياته السياسية قصيرة في بعض فترات المحطات الكبرى.
ولد الهلالي في أسيوط عام 1891، ونشأ في بيئة علمية واجتماعية تحث على الاجتهاد والانتماء للوطن، فأكمل تعليمه في المدرسة التوفيقية قبل أن يلتحق بكلية الحقوق ويتخرج منها عام 1912، ليبدأ مشواره العملي بالمحاماة، ثم النيابة، وصولا إلى المناصب القضائية العليا، التي أهلته ليكون صوت القانون والنظام في وقت كانت مصر تحتاج فيه إلى رجال حكماء يدركون قيمة الدولة وضرورة حماية مؤسساتها.
لم يكن الهلالي مجرد سياسي عادي، بل كان أستاذا في كلية الحقوق، ومستشارا ملكيا، وسكرتيرا عاما لوزارة المعارف، ثم مستشارا قانونيا، ليصبح رمزا للكفاءة والمسؤولية، رجلا يجمع بين النظرية والتطبيق.
هذا المزيج من المعرفة القانونية والخبرة العملية جعل منه شخصية محورية في إدارة شؤون الدولة، ومثالا للالتزام بالقانون والدستور، خاصة في فترة دستور 1923، الذي مثل بالنسبة له دستورا للثقة والعدالة الوطنية.
في وزارة المعارف، أظهر الهلالي اهتمامه العميق بالتعليم، وهو الاهتمام الذي لا يمكن تجاهله عند الحديث عن إرثه، فقد أقر مجانية التعليم الابتدائي، موافقا بذلك على رؤية طه حسين الذي نادى بحق كل طفل مصري في التعليم، مؤمنا بأن المستقبل لمصر لا يقوم إلا على العلم والمعرفة، وأن الدولة لا يمكن أن تتقدم إلا إذا فتحت أبوابها للجميع دون تمييز، وهنا يمكن أن نشعر بحماسه الوطني وحرصه على أن يكون التعليم أداة للنهضة الحقيقية، لا مجرد شعار على الورق.
لكن الحياة السياسية لم تكن سهلة عليه، ففي يناير 1950، رفض الهلالي الانضمام إلى الوزارة الوفدية، واعتزل الحياة السياسية مؤقتا، محافظا على مبادئه، حتى ظهرت له اتصالات ببعض رجال السراي والإنجليز، فانخرط مجددا في المشهد بعد إلغاء معاهدة 1936، معبرا عن موقفه في تصريحات حازمة ضد الحكومة، ما أدى إلى فصله من حزب الوفد.
هذا الموقف يعكس شجاعة الهلالي وحرصه على الوطن قبل الانتماءات الحزبية، وهو سلوك نادر في عالم السياسة، حيث غالبا ما تسود المصالح الشخصية على المبدأ.
تولى الهلالي وزارة رفيعة في مارس 1952، في فترة صعبة مليئة بالاضطرابات السياسية، رافعا شعار "التطهير قبل التحرير"، حيث أدار الدولة بحزم، وأعلن الأحكام العرفية، وفرض الرقابة على الصحف، مؤكدا أن الأمن والاستقرار جزء لا يتجزأ من بناء الوطن.
لم تدم هذه الوزارة طويلا، لكنها شهدت أول مرة يعين فيها نائب لرئيس مجلس الوزراء، خطوة كانت بمثابة مقدمة لتحديث هيكل السلطة وإعادة تنظيم الدولة في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
ومع قيام ثورة 23 يوليو، استقال الهلالي بعد أن قدم خدماته لما تقتضيه المرحلة، معتزلا السياسة حتى وفاته في ديسمبر 1958، ومع كل هذا، ترك الهلالي إرثا مهما في مجال القانون والسياسة والتعليم، وأكد أن مصر تحتاج إلى رجال دولة يضعون المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، كما سار على دربه نجله أحمد نبيل الهلالي، مستمرا في الطريق ذاته من العلم والعمل الوطني.
أحمد نجيب الهلالي هو صورة لرجل مصر الحقيقي: رجل يعرف قيمة القانون، يقدر التعليم، ويحمي الوطن، دون أن يغفل عن دوره كمواطن ملتزم.
حياته تذكرنا دائما بأن الدولة تقوم على أكتاف الذين يضحون بالراحة الشخصية من أجل الخير العام، وأن التاريخ لا ينسى من خدم وطنه بصدق وشجاعة، مهما قصر الزمن أمام عظم الإنجاز.
والهلالي ليس مجرد اسم في كتب التاريخ، بل مثال حي على الوطنية الملتزمة، وعلى الإيمان بأن المستقبل يبدأ من العمل الصادق، والتعليم المفتوح لكل طفل مصري، وأن الحب الحقيقي لمصر يظهر في كل قرار يتخذ من أجلها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض