كاريزما
الحديث عن المطربة فيروز؛ ونحن نحتفل معها بدخولها العام التسعين؛ ليس مجرد حديث عن الغناء والموسيقى بقدر ما هو حوار لا ينقطع عن العروبة والقومية بل– والإنسانية– لم تقتحم الموسيقى آذان البشر لأنها ولدت فى خلاياه؛ وهو غير قادر على رؤية الواقع من حوله؛ إذ إن كل شىء هو امتداد لذاته؛ تمامًا كالأساطير التى تشكل الحد الأعلى من طموحات الفنان الذى لا يكتفى بالمفهوم الكلاسيكى للحياة؛ إذ إن الفهم الاجتماعى الواعى من قبل الجماهير الشعبية– يدرك أن الحراك الموسيقى يمكنه تغيير جذور وسيقان الوعى المجتمعى؛ لعل هذا ما احدثه الرحبانية. عاصى رحبانى ومنصور رحبانى ثم إلياس حنا رحبانى ثم زياد الرحبانى (ابن فيروز) المعجزة اللبنانية العربية والعالمية فقد لحن لامه اغنية وهو فى الرابعة عشرة من عمره–عام ١٩٧٣ كان والده عاصى مريضًا فى المستشفى وكان مقررًا لفيروز أن تلعب الدور الرئيسى فى مسرحية (المحطة) ولحن زياد الأغنية التى لم يتم تلحينها. (سألونى الناس عنك يا حبيبى) وفوجئت فيروز باللحن كما فوجئ الوسط الموسيقى.. وحين وصلت إلى الفقرة التى تقول (لأول مرة ما بنكون سوى) لم تتمالك نفسها وأنهارت من البكاء؛ فقد تأكدت أن المرض يطول وأن الموت أسرع!
ولدت فيروز فى مناخ روحانى مسيحى صافى فقد رهنت صوتها للكنيسة وكانت أبرع من تغنت للسيدة العذراء مريم (يا مريم البكر فقتى الشمس والقمرا وكل نجم بأفلاك السماء سرى..)
وبعد أن اكتمل وضعها لمطربة معتمدة؛ ظهر جاليًا حسها العروبى القومى فغنت لكل الأقطار العربية. مصر ومكة وتونس وكل بلد عربى وغنت للسيد المسيح وغنت الأسراء والمعراج. ثم غنت الموشحات الأندلسية كما لم يغنها أحد من قبل. وكان النقاد العرب على يقين أن قسمًا كبيرًا من المشاكل القومية تأصلت منذ غزو أمريكا للعراق وأن تغريب تراثنا الموسيقى ومزجه بالروح الغربية؛ هو شيئًا فشيئًا يدخل فى نطاق الماسونية أو الصهيونية العالمية.. وهنا نجحت فيروز والرحبانية فى تثبيت الأغنية العربية الأصيلة والانتصار لجذورنا.