عندما كنت أدرُس الأدب فى كندا، اندهشت لوجود دورات فى «الكتابة الإبداعية» فى جامعتى يتعلّم الطلاب فيها كيفية كتابة القصص القصيرة ونظم الشعر. بالنسبة لشاب مثلى، جاء حديثًا من مصر، كانت فكرة تعليم الطلاب كيفية تأليف القصة القصيرة أونظم الشعر فكرة مضحكة بل ربما مجنونة. فنظم الشعر بالنسبة لى كان موهبة فطرية، متأصّلة، طبيعية. إما أن تكون شاعرًا بالفطرة، أو أنك لست كذلك.
بعد ذلك بسنوات تعوّدت على رؤية قوائم دورات الكتابة الابداعية فى جامعات عديدة آخرها كانت هارفارد التى تقوم فى واحدة من دوراتها على تدريب الطلاب على كيفية كتابة قصص الرعب. وقرأت نص مقابلة فى مجلة «هارفارد غازيت» (عدد 30 اكتوبر، 2024) مع مُعلّمة الدورة عن أسباب إفتتان الناس بالقصص المخيفة والفرق بين الرعب الجيد والسيئ.
وفقًا للمعلمة، تختلف قصص الرعب عن غيرها من القصص لأنها تتجذر فى الصراع، لكنها تقوم بشىء فريد فالرعب فيها يزعزع الثنائيات التى تستمد منها القصص الأخرى توترها، ويتجاوز مجرد الصراع بين الخير والشر، ليضيف سمة ترعبنا أكثر وهى فقدان الامان وانهيار اليقين. فى هذا السياق، تذكر المعلمة كيف يمكن أن تجعلنا قصص الرعب نشعر بالخوف ليس من رؤية الكائن المرعب الذى يظهر فجأة لكن بعدم الأمان من الذى يخفيه الظلام حولنا - ألم نكن فى طفولتنا نخاف من احتمال وجود عفاريت تحت الفراش؟
أكدت المعلمة أيضا أن أحد الأسباب التى تجذب الناس إلى قصص الرعب هو أنها تقدم تجربة آمنة -لكونها خيالية- لموجهة المخاوف. وأضافت أن الأشياء المخيفة يمكن أن تطهّرنا من الخوف (كما تطهّرنا مشاهدة المسرحية التراجيدية من الخوف كما يذكر أرسطو فى كتاب «فن الشعر»).
تحدثت المعلمة أيضًا عن النظرة العامة للرعب كنوع أدبى «متدنٍّ»، موضحة أن بعض الأنواع تعتبر متدنية بسبب تأثيراتها الجسدية، حيث إن الرعب يسعى لإثارة ردود فعل جسدية، مما يجعله يقف فى مواجهة مع صفات الفن الراقى الذى يبعد عن الجسد وانفعالاته. وأشارت إلى أن أدب الرعب يمكن أن يقدم ترفيها شعبيا وتسلية ممتعة للفئات المُهَمّشة.
بالنسبة لاختلاف الرعب الجيد عن السيئ، ذكرت المعلمة أن هذا يرجع للأفراد. بعض الأعمال تركز فقط على الصدمة، بينما تعتبر الأعمال التى تتناول أسئلة عميقة أكثر إرضاءً. تعتبر المعلمة أن متعة الرعب تكمن فى عنصر المفاجأة، مشيرة إلى أن هناك الكثير من الأفلام التى تترك أثرًا شخصيًا. وأعربت عن ميولها إلى قصص البيوت المسكونة، وكائنات البحر مبررة ذلك بمخاوفها الشخصية.
فى ختام حديثها، أكدت المعلمة أن أدب الرعب ليس فقط هو الذى يحدث الخوف فى أنفسنا القارئِة أو المُشاهِدة، بل الذى يمس أعماقنا الإنسانية ويثير فينا التساؤلات عن وجودنا ومعنى الأمان والطمأنينة فى حياتنا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض