رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

عندما نتحدث عن شخصية وطنية خدمت مصر في مرحلة حرجة من تاريخها الحديث، لا يمكننا أن نتجاوز ذكر عبدالحميد عبدالحق بك، الذي تولى وزارة الأوقاف في الفترة من يونيو 1943 حتى أكتوبر 1944، ليترك بصمة واضحة في مسار تحديث الإدارة الدينية والاجتماعية. 

كان عبدالحق بك أكثر من مجرد وزير، كان روحا قيادية امتزجت فيها الوطنية بالجدية والعمل المؤسسي، فجعل من الوزارة أداة فعالة للحفاظ على المال العام وتنظيم شؤون الوقف، وفي الوقت نفسه لم ينس دورها الديني والاجتماعي الهام.

توليه الوزارة جاء بعد استقالة محمد عبد الهادي الجندي باشا من وزارة مصطفى النحاس باشا السادسة، وكان عبدالحق بك بالفعل يملك رؤية شاملة لما يجب أن تكون عليه الوزارة في تلك الفترة. 

قبل ذلك، كان له حضور مهم في مجلس النواب، وشارك في قرارات سياسية حساسة مثل التصويت على فصل مكرم عبيد، الأمر الذي يوضح وعيه بالقضايا الوطنية والسياسية في نفس الوقت. 

كما شغل مناصب وزارية أخرى، أبرزها وزير الشئون الاجتماعية ووزير التموين، مما منحه خبرة واسعة في إدارة شؤون الدولة المختلفة قبل أن يتولى وزارة الأوقاف.

أحد أهم إنجازاته كان في الجانب التنظيمي والإداري، عبدالحق بك أدرك أن الوزارة بحاجة إلى هيكل مؤسسي منظم يواكب احتياجات العصر، فأصدر قرارات هامة لتنظيم العمل داخليا، بدءا من تحديد مواعيد وأماكن صرف المستحقات، وإنشاء مكتب فني للوزير لتسيير أعماله بوضوح وشفافية، وصولا إلى تشكيل لجان متخصصة للفصل في شكاوى العاملين ووضع الكوادر الإدارية. 

كما اهتم بإنشاء مكتب للصحافة تابع للوزارة، وفصل اختصاصات الأقسام المختلفة، مثل قلم العقود وقسم القضايا، بما يعكس دقة منهجية في إدارة الشؤون. 

ولأن التطوير لا يكتمل إلا بمتابعة كل التفاصيل، أنشأ مكتبا للوزير في بولكلي، وقسما مستقلا لديون المستحقين، ومكتبا لمساعدة المستأجرين في حل مشكلاتهم، مؤكدا على أن دور الوزارة يتجاوز المسائل الدينية ليشمل خدمة المواطنين وحماية حقوقهم.

لم يكن عبدالحق بك مجرد إداري محنك، بل كان حافظا للأمانة العامة للوقف، محافظا على ماله وقيمه، أصدر قرارات للتخلص من الأراضي الصغيرة قليلة الريع، ومعالجة القضايا مع المستأجرين، وتحديد إجراءات التحصيل بطريقة منظمة، وضمان حقوق الوزارة في الفوائد والزيادات الإيجارية. هذه القرارات لم تكن مجرد أوراق إدارية، بل كانت انعكاسا لرؤية واضحة لحماية موارد الدولة والوقف من الهدر، وحفظ حقوق المواطنين في الوقت نفسه.

وعلى جانب الدعوة الدينية، لم يغفل عبدالحق بك أهمية تنظيم المساجد ومواعيد فتحها طوال أيام العام، مؤكدا على الدور الروحي والاجتماعي للمؤسسة الدينية. 

ولم ينس التراث الإسلامي، فقد أصدر قرارا بتشكيل لجنة لتجميع رسومات وصور أبرز المساجد الأثرية، وهو مشروع يعكس اهتمامه بالتاريخ والثقافة المصرية الإسلامية، ويعزز الوعي الوطني والتقدير للجذور الحضارية.

إن الحديث عن عبدالحميد عبدالحق بك ليس مجرد سرد لسيرة وزير سابق، بل هو تأمل في مثال حي للقيادة الوطنية التي تجمع بين الالتزام الديني، والكفاءة الإدارية، والحس الاجتماعي، والوفاء لمبادئ العدالة والمصلحة العامة. 

كان رجلا وضع لمساته بخطوات ثابتة، وسعى لتطوير وزارة الأوقاف لتكون مؤسسة حديثة، منظمة، وفاعلة، مع الحفاظ على جوهرها الروحي والاجتماعي. 

وبينما نقرأ تفاصيل إدارته وقراراته، نشعر بحماسة ودفء ووجدان تجاه من خدم مصر بضمير حي، مذكرين أنفسنا بأن الوطن يحتاج دائما إلى مثل هؤلاء الرجال الذين يجمعون بين المعرفة والعمل والرؤية.

عبدالحق بك، برغم أن فترة ولايته لم تتجاوز السنة والنصف، إلا أن إنجازاته وتفانيه جعلت من وزارة الأوقاف مثالا على الإدارة الرشيدة والخدمة الوطنية الصادقة، ونموذجا يحتذى به في الجمع بين الحداثة والحفاظ على القيم، وبين الكفاءة والعمل الروحي والاجتماعي، ليظل اسمه علامة مضيئة في تاريخ مصر الحديث.