رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

هل تأخر الزواج لمن يرغب فيه ابتلاء من الله

بوابة الوفد الإلكترونية

قالت دار الإفتاء المصرية، إن الزواج سُنَّةُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي رغَّب فيها، ونَهَى عن الإعراض عنها. 

وأضافت دار الإفتاء: أن تأخُّرُ الزواج قد يكون ابتلاءً مِن الله عَزَّ وَجَلَّ لمَن هو راغِبٌ فيه، باذِلٌ ما في وُسْعِهِ لإيجاد مَن يناسبُ حالَهُ، وعلى مَن ابْتُلِيَ بتأخر الزواج أن يَصبِرَ ويَحتَسِبَ ويَستعينَ بالله تعالى، ولا ييأس مِن رحمته به سبحانه، آخذًا بالأسباب الموصِّلة إلى مراده، مراعيًا في ذلك البحث عمن يناسب حالَهُ، مع الرضا بما قدَّره اللهُ له مِن حال يُسْرٍ وَسَعَةٍ، أو عُسْرٍ يُفَرِّجُهُ اللهُ عنه قريبًا إن شاء سبحانه وتعالى.

هل في تأخر الزواج لمن يرغب فيه ابتلاء من الله تعالى؟

 

وتابعت دار الإفتاء: الأصل في الزواج أنه شُرعَ لمن قدر عليه وتاقت نفسه إليه؛ لما فيه من إعفاف النفس، وطلب النسل، وغض البصر، وحفظ الفرج، فعن عبدِ الله بن مَسْعُودٍ رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» متفقٌ عليه.

والمراد هنا بالبَاءَةِ: مُؤَنُ النكاحِ، سميت باسم ما يلازمها، وتقديره: مَن استطاع منكم مُؤَنَ النكاح فليتزوج، كما في "شرح الإمام النَّوَوِي على صحيح الإمام مُسْلِمٍ" (9/ 173، ط. دار إحياء التراث العربي).

وأوضحت دار الإفتاء: فمَن مَلَك مُؤَن النكاح وتكاليفه، وكان قادرًا عليه بدنيًّا ونفسيًّا فإنه يُستحب في حقه النكاح، حتى يتحقق له المقصود الأعظم منه، مِن حصول المودة والرحمة، وقضاء شهوته في الحلال، وإنجاب الذرية، وصِيَانَة الأعَرَاضِ والحُرُماتِ، وحفظ الأحسابِ والأنسابِ، وغير ذلك من الأمور التي لا تتحقق إلا بالزواج.

أما غير القادر على مُؤَنِ النكاح، أو القادر فقط على ضروريات الحياة، مع تَوقِهِ إلى النكاح، ومع أخذه بالأسباب المتاحة مِن السعي وخلافه لا يخلو من ابتلاءٍ له، ولا يَسَعُهُ في هذه الحال إلَّا قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 33].

قال الإمام الطَّبَرِي في "جامع البيان في تأويل القرآن" (19/ 166، ط. مؤسسة الرسالة): [﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ﴾ ما ينكحون به النساء عن إتيان ما حرَّم الله عليهم من الفواحش، حتى يغنيهم الله من سعة فضله، ويوسِّع عليهم من رزقه].

والابتلاء من أقدار الله تعالى ورحمته، يجعل في طياته اللطف، ويسوق في مجرياته العطف، وكثيرًا ما تحمل المِحَن في ثناياها المِنَح، وفي حَنَايَاهَا العطايا والهِبَاتِ والنِّحَل، فكلُّ ما يصيب الإنسان من ابتلاءات هي في حقيقتها رِفعةٌ في درجة المؤمن وزيادة ثوابه ورفع عقابه، حتى الشوكة تُصيبه، فعن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا، إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً» أخرجه الإمام مُسْلِمٌ في "صحيحه". وهذا يقتضي حصول الأمرين معًا: حصول الثواب، ورفع العقاب كما قال ابن حجر رحمه الله تعالى.

وتيسيرُ أمرِ الزواج من عدمه إنما هو مُراد الله عَزَّ وَجَلَّ، ورزقه يُقدِّره ويسوقه لمن يشاء، وقتما يشاء، بالكيفية التي يشاء، شأنه في ذلك شأن كافة الأرزاق والأقدار السارية في الكون كله، فعلى من ابتلي بتأخر أمرٍ من الأمور كالزواج أو غيره أن يصبر ويحتسب، ويعلم أن مراد الله له خير، فما أعطى سبحانه أحدًا شيئًا إلا لحكمةٍ، وما منع عنه إلا لرحمةٍ، وكل الأمور خيرٌ للمؤمن إذا رضي وصبر، يدل لذلك ما ورد عن صُهَيبِ بن سِنَان الرُّومِي رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وآله وَسَلَّمَ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه".

وعلى المسلم مع الصبر أن يجتهد في إعفافِ نفسه، وغض بصره، والاستعانة بالصوم متى قدر عليه على كبح جماح شهوته؛ إذ بالطعام يقوى البدن، وتقوى معه شهوة النكاح، وبالصوم يضعف، وتضعف وتُكبَحُ معه شهوة النكاح، كما وجَّه إلى ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث السابق ذكره عن عبد الله بن مَسْعُودٍ رضي الله عنه بقوله: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» متفق عليه. والمعنى المراد بقوله «وِجَاءٌ»: أنَّه مُضْعِفٌ للشهوة قَاطِعُهَا.