رئيس حزب الوفد
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس الإدارة
د.أيمن محسب
رئيس التحرير
عاطف خليل
رئيس حزب الوفد
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس الإدارة
د.أيمن محسب
رئيس التحرير
عاطف خليل

خط أحمر

فى بدايات حرب الإبادة الإسرائيلية على الغزاويين، كنت قد أشرت فى هذا المكان إلى أن هذه الحرب إذا كانت خطرة.. وهى خطرة منذ لحظتها الأولى.. فالأخطر منها هو ما يمكن أن يكون بعدها فى أنحاء العالم.. وعندما وقع حادث الهجوم على السفارة الأمريكية فى بيروت ٥ من هذا الشهر، تذكرت ما كنت قد أشرت إليه.

فالرجل الذى هاجم مبنى السفارة بالسلاح اسمه قيس الخراج، وهو يحمل الجنسية السورية، وقد خضع لتحقيقات بعد إلقاء القبض عليه فى مكان الحادث.. ومن التحقيات اتضح أنه لا يتبع أى تنظيم، وأنه يتبع نفسه إذا صح التعبير.. وفى قاموس التنظيمات المتطرفة فى هذا العصر، فإن مثل هذا الشاب يقال عنه إنه: ذئب منفرد.

ومما قيل عنه أيضًا إنه صاح فى أثناء الهجوم وقال «النصر لغزة» وأنه كتب على سلاحه وثيابه عددًا من التعبيرات منها «الدولة الإسلامية» فى اشارة إلى تنظيم داعش الذى كان يقول عن نفسه إنه تنظيم الدولة الإسلامية فى أرض سوريا والعراق.

والمعنى أن هذا شاب لا علاقة له بأى تنظيم، ولم يتوجه إلى مبنى السفارة بأمر من أى جهة، ولكنه توجه من تلقاء نفسه، وتحرك بوازع من ذاته، وبإحساس فى داخله بأن الظلم هو عنوان الحرب الإسرائيلية على غزة، وأن كل انسان حُر مدعو إلى أن يقف ضد هذا الظلم بما يستطيعه.

ورغم أن تعبير «الذئاب المنفردة» كان قد شاع فى فترة من الفترات، ورغم أنه كان قد اختفى أو كاد، إلا أن واقعة قيس الخراج تعيد هذا التعبير إلى الواجهة من جديد، وتقول إن فى أنحاء العالم كثيرين يشعرون بينهم وبين أنفسهم بأن الظلم الفادح هواء يتنفسه كل فلسطينى فى العموم، وكل فلسطينى غزاوى فى الخصوص، وأن أصحاب الضمائر الحُرة مدعوون إلى الانتصار لهؤلاء الذين طحنتهم الحرب فى غزة.

هذا هو وجه الخطورة الحقيقى الذى لم ينتبه له العالم، وهو يقف متفرجًا أو كالمتفرج على مقتلة غزة، فمثل قيس الخراج ليس فى حاجة إلى تنظيم يوجهه، وإنما هو فى حاجة إلى ضمير حى فى داخله، وما بعد ذلك نعرفه ونستطيع أن نتوقعه.

ما أتعس هذا العالم وهو يجد نفسه فى مرحلة ما بعد الحرب أسيرًا فى قبضة الذئاب المنفردة، التى لا يستطيع أحد تخمين مكانها، ولا التنبؤ بتوقيت حركتها.. فهى تتحرك فرادى، ولا صلة بين ذئب فيها وذئب آخر، لأن كل واحد منها يتصرف من تلقاء نفسه، وبوحى من إحساس انسانى فى أعماقه، وبإلحاح من شعور بالمسئولية الإنسانية يظل يضغط عليه.

لا تزال أمام العالم فرصة لكبح جماح اسرائيل، ولا تزال أمامه فرصة لمحاسبة الذى أجرموا فى هذه الحرب من ساستها وقادتها، وإلا، فالعالم نفسه سيكون على موعد مع ذئاب منفردة لا عدد لها ولا حصر.