الشاعر الكبير شعبان يوسف فى حوار مع «الوفد»:
الناس كرهت الشعر بسبب شعراء السبعينيات
سماسرة التمويلات الخارجية خطر على الثقافة المصرية
منذ بداية الثمانينيات، يعمل الشاعر الكبير شعبان يوسف وكأنه «مؤسسة» كاملة. لا يمكنك أن تتصور أن هذا الجهد الخارق فى شتى مجالات الحياة الثقافية، يقوم به شخص واحد، لا يملك من الدنيا إلا قلمه وضميره. ما بين الشعر والرواية والتاريخ والمسرح والسينما والقضايا الثقافية والسياسية؛ يتحرك شعبان يوسف بنفس القوة منذ أن كان فى العشرين، وإلى الآن وهو على مشارف السبعين. إنه مثال حى للتواضع، ودرس بارز فى إنكار الذات، وروح حنونة تتفانى فى دعم الآخرين على اختلاف أعمارهم وتوجهاتهم وأفكارهم. هو أحد شعراء جيل السبعينيات، غير أنه ينفرد بينهم بصوته الخاص منذ ديوانه «مقعد ثابت فى الريح» وحتى آخر دواوينه. لا حمولات أيديولوجية فى قصائده ولا فحولة لغوية ولا ألاعيب تجريبية تجردها من روح الشعر، وتحرمها من «بساطتها» أو «مصريتها»، لأنه -باختصار- مصرى حتى النخاع، شكلاً وروحاً ودماً. «ورشة الزيتون» التى أسسها وأدارها منذ 40 عامًا، ساهمت فى تخريج أجيال من الأدباء والشعراء، بجهود متواضعة، وفى الظل، دون ضجيج أو صخب، ودون أن يتحول هو إلى سلطة أو تتحول هى إلى وسيلة ثراء، خاصة فى هذا الزمن الذى تتكدس فيه «الدكاكين الثقافية» بوجوهها المشوَّهة و«أجنداتها» المشبوهة. رائد فى التفتيش عن الأسماء المجهولة والمبدعين المهمشين، وإزالة التراب عن حقوقهم المهضومة، وإعادة بعثهم للنور، قبل أن تصبح موجة الانتصار للهوامش والأعراق «تجارة» رائجة فى السنوات الأخيرة. عبر مسيرته الطويلة؛ لا يمكن أن تحسبه على «شلة» أو تيار، رغم قربه من الحركة اليسارية، ولا يمكن أيضاً أن تجد فى تاريخه أى مواقف فكرية أو سياسية، تخصم من نبل روحه، أو تضعه فى طابور اللاعبين على كل الحبال والمدعوين على جميع الموائد. انحيازه الوحيد للحرية والثقافة المصرية وقضايا الأمة العربية، مهما تبدلت الأفكار من حوله أو تغيرت المواقف، ويجدد فينا الأمل بأن المثقف الحقيقى يستعصى على البيع والشراء، رغم أنف «سوق العولمة».
هذا الحوار الذى أجرته «الوفد» مع الشاعر والكاتب والباحث والمؤرخ شعبان يوسف، هو شهادة استثنائية شاملة على الفترة الراهنة.
أرفض التطبيع الثقافى مع الكيان الصهيونى

< بداية.. ما تقييمك للحالة الثقافية الآن، وكيف تقرأ مستقبل الثقافة المصرية خاصة فى ظل الموجة الشرسة من التمويلات الخارجية التى تحاول تحجيم دور مصر؟
<< أرى أن دور مصر الثقافى لا خوف عليه، فلو نظرنا إلى الثقافة المصرية منذ أوائل القرن العشرين سنجد أنها مرت بموجات وانقلابات وتحولات كثيرة جدًا، حتى إنه قبل ثورة 1919 كانت هناك موجة عالية بها طه حسين ومحمد حسين هيكل، وأحمد لطفى السيد، هذه الأسماء الكبيرة طرحت موضوع الهوية عبر أفكار وإبداعات كثيرة، فمحمد حسين هيكل قدم «زينب» ود. طه حسين ذهب إلى باريس وقدم رسالته عن أبى العلاء المعرى ورسالته عن ابن خلدون، فكان هناك زخم شديد جدًا رغم كل ما يحدث من أشكال التحكم الأجنبى أو التحكم الملكى أو تحكم كبار الملاك أو من كانوا يهيمنون على الحياة، فكانت الثقافة إلى حد كبير رغم الصعوبات تتنفس بقوة، فعندما قامت ثورة 1919 حدثت أيضاً دفعة قوية جدًا إلى الأمام، ثم قدم طه حسين كتابه عن «الشعرالجاهلى» وقدَّم الشيخ على عبدالرازق كتابه «فى أصول الحكم» وظهرت مجلة «العصور» فى عام 1928، ونستطيع أن نقول: إن الانقلابات التى تحدث والتآمر على مصر بشكل ما كبير جدًا، ولكن مصر تملك رصيدًا ثقافيًا وفكريًا وأدبيًا وحضاريًا، أعتقد أنه من الصعب جدًا أن يتحطم أو ينكسر أمام أى موجة قادمة، ولكن التمويلات من الممكن أن تؤدى إلى رواج مالى، فالحالة «ج» بالنسبة للأدباء، وليس هناك مجلات أو صحف فى مصر تستطيع أن تستوعب كل ما يكتب، ولا تستطيع أن تكافئ كل الكتاب، ولذلك يسافرون إلى الخارج أحياناً، وهذه الحالة جعلت هناك نوعًا من «التلمظ» لأصحاب الأموال خارج مصر، إذا كانوا من إخوتنا العرب، أو من يريدون أن يكونوا لهم دور، فهم ليسوا متآمرين على الثقافة لكسحها أو كسرها بقدر أنهم يريدون أن تنمو أدوارهم من خلال الثقافة المصرية، والمشكلة أن هناك بعض الوسطاء فى مصر من المثقفين كل عملهم الآن هو إدارة الأموال الخارجية لإدارة الثقافة، والحقيقة أن الثقافة بالنسبة لهؤلاء هى مجرد صور ومناظر وحشد، فهناك ما يسمى بالثقافة «الكرنفالية» التى أصبحت ضد القيمة، ومن خلال هذه الإدارة الرديئة العميلة يتم تكريس شكل من أشكال الثقافة وهى ليست ثقافة بديلة، فليس هناك رموز امتداد لنجيب محفوظ، أو د. طه حسين، وكتاباتهما المشتبكة أيًا كان شكلها البحثى عند طه حسين أو شكلها الفنى الأدبى عند نجيب محفوظ، بما فيها من تأكيد وتأصيل وتكريس للمصرية المنفتحة على كل العالم، ومن ضمنها الثقافة العربية، ولكن الحقيقة أنه توجد حاليًا حالة من حالات التغريب التى تحدث فى المنتديات التى تكرس لنوعٍ من الثقافة مدفوعة الأجر، وبالتالى نجد اليوم مجلات ليست مصرية يكتب بها المصريون، وهذه المجلات يكتب فيها الكاتب وهو يعرف أن الحسنة الوحيدة بها هى المكافأة التى يحصل عليها، فهى لا تقرأ بشكل جيد، ففكرة إغراق السوق بكميات من مدعى الثقافة والمنتديات هو فى النهاية «تسخيف للثقافة» وتسخير الثقافة لأفكار معينة، وبالتالى أرى أن هذا يمكن أن يحدث فى حالات الأزمات، لكننى أعتقد أن هناك تيارًا ثقافيًا يعمل بعيدًا عن مثل هذه الأروقة والمنتديات وبعيدًا عن هذه التمويلات بضراوة شديدة جدًا، وقد تعلمت طوال حياتى قانونًا وهو «أن كل مهمة تستدعى قواها» بمعنى أنه عندما توجد أزمة ما طاحنة، أزمة وجود أو لا وجود، فإنها تستدعى المخزون الثقافى من ثورة 1919 حتى يقف فى وجه هذا التيار، وبالطبع هناك هجوم لكن على المدى البعيد ليس هناك خطورة.
هناك مثقفون عملاء للسلطة على مدى عقود

< فى رأيك ماذا تعنى «الهوية الثقافية» وكيف يمكن الحفاظ عليها فى ظل هذه المتغيرات الراهنة؟
<< الهوية الثقافية ليست ذات شكل محدد، أو أفكار معينة، ولا نستطيع القول إن مصر لها وجها واحدا هو الوجه الفرعونى أو الوجه القبطى أو الوجه الإسلامى لكن لها وجوه متعددة، ومصر قديمًا عرفت التسامح، وهذا جزء من هويتها، وللأسف أن أول خطر على الهوية هو التطرف والتعصب بشكل عام وليس التطرف أو التعصب الدينى فقط، حتى التطرف والتعصب القبلى فى الغابة أو أى مكان ما أصبحت له مؤسسات وأصبحت له جماعات وله أحزاب وأصبحت له حكومات، وهناك أموال طائلة تقوده وتحركه، ومن هنا أصبحت الهوية فى خطر، فالهوية ليست بمأمن ما، وأعتقد أن الهوية لا يستطيع أحد أن يغيرها بسهولة، وأعتقد أن مصر عبر قرون عديدة استطاعت أن تكون شخصية لها حضور كبير جدًا ولها مميزات كثيرة جدًا ولها إنجازات، ولذلك أعتقد أن الجذر الأول فى الهوية المصرية هو التسامح والمحبة، فنحن كشعب نحب الجميع، وهذا كلام حقيقى، وقد استقبلت مصر على مدى القرن العشرين جنسيات متعددة عربية وغربية، ففى الفن مثلاً استقبلت نجيب الريحانى وبيرم التونسى، وصباح وعبدالسلام النابلسى وفريد الأطرش، والعرب هم الذين أسسوا جزءًا كبيرًا من الصحافة المصرية مثل جورجى زيدان، وهذا أتى عبر شيئين هما التسامح والمحبة، وهما اللذان سمحا لهذه الثقافات أن تلقى القبول فى مصر، ولذلك الهوية من الممكن أن تهاجم لكن لا يمكن أن تنمحى.
< هل ترى أننا انغمسنا فى المشروع الحداثى أم ما زلنا نعيش مرحلة ما قبل الحداثة فى ظل ما نملكه من تراث كثيف يلقى بكل ثقله على تفكيرنا وسلوكنا.. وكيف يمكن أن نوائم بين الحداثة والتراث؟
<< نحن نعيش عصر الحداثة، ولا نستطيع القول إننا نعيش ما قبل الحداثة، لأن كلمة الحداثة ليس معناها «الجيد» أو الجديد أو العظيم، فالحداثة مفهوم عشناه، وهو الخروج من البعد القبلى والدخول فى عالم الدولة، عالم الشعوب، عالم الحكومات، عالم الديمقراطية، عالم البرلمانات، كل هذا حداثة، وهذا من بداية الدولة الحديثة أيام محمد على باشا، وأستطيع أن أقول إن حتى المنظمات المتطرفة تعيش الحداثة بمعنى ما، على المستوى التكنولوجى على الأقل، وعلى العكس فنحن ممكن أن نعيش عصر ما بعد الحداثة وهو فكرة تحطيم الأسرة وفكرة عدم احترام الثوابت، وهذا هو الخطر الذى يأتى مما بعد الحداثة وهو اللا احترام واللا تقدير لكل ما هو قديم وربطه بالتراث وأن ما بعد الحداثة من الممكن ألا يعترف بالتراث، ولكن الحداثة تغير فى مفهوم قراءتنا للتراث، وسنجد بعض المفكرين أو الأدباء الذين يقرأون التراث ليستفيدوا منه ويفيدوا بالقدر الذى يفيد الثقافة بالمجتمع الذى يعيشون فيه.
الإسلام السياسى ترعرع فى ظل ضعف الأنظمة

< أنت صاحب دور رائد فى العمل الثقافى الأهلى من خلال «ورشة» الزيتون التى استمرت قرابة 40 عامًا.. كيف يمكن تعميم هذه التجربة خاصة فى ظل دكاكين التمويل الغربية التى تفرض أجندتها على الثقافة المصرية؟
<< بالنسبة لورشة الزيتون هو عمل لم يعد مشروعًا خاصًا بى، لأنه عمل خلقته القلوب المحبة، وفى الوقت نفسه ليست القلوب المحبة مجانًا، ولكن القلوب التى تريد أن تعبر عن نفسها، فقد كنت فى العشرين من عمرى أبحث عن مكان ما لأستطيع التعبير عن نفسى فيه، فكان هذا المكان بمقر حزب التجمع الوطنى عام 1979، وهناك التقيت برجل عظيم وهو الدكتور فخرى لبيب وهو مترجم وأديب أيضاً، وكان يشغل منصبًا سياسيا فى الحزب، واستطاع أن يستوعبنى ويوجه قدراتى، وكنت قد استأت من مركزية وسط البلد «الأتيليه، البستان» فعدنا إلى الزيتون وهو مكان هادئ، وبدأنا التجربة، حتى أصبح هناك دعم لنا وكل من كانوا فى ورشة الزيتون وعلى رأسهم د. فخرى لبيب لم تكن لديهم أى أطماع سوى تحقيق القيمة، وإنتاج الوعى بشكل عام وتصدير الثقافة الصحيحة، فقد كنا نعيش مرحلة السبعينيات، أى مرحلة الانفتاح الاقتصادى، والتى تعنى الإثراء والمجلات غير المصرية التى كانت تعطى أموالاً باهظة ونشأت وقتها الجمعيات الحقوقية أيضاً ولا أدين التمويل بشكل قاسٍ ولكن الحقيقة إدارة التمويل هى التى من الممكن أن تصبح مثيرة إلى حد ما فهناك جمعيات حقوقية غنية جدًا لكن أثرها على الواقع غير موجود، وقد رفضت أى تمويل للورشة، من قبل وزراء سابقين للثقافة، فنحن نناقش أعمالاً لا سقف لها فى ورشة الزيتون، وفى الحقيقة فإن حزب التجمع لم يمارس أى سلطة على مثل هذه الجماعة ولم يمارس أى تضييق على أى شخص من أبناء الورشة، لأن هذا يعتبر أيضاً نشاطًا محسوبًا لحزب التجمع باعتبار أن د. فخرى لبيب أحد كوادره، فهى تجربة تكاد تكون خاصة وربما لا تتكرر ليس لعدم توفر المحبة والإخلاص، ولكن ربما الدأب والإصرار، فقد كان لدينا دأب شديد جدًا وإصرار وعزيمة، ولم تكن لدينا فكرة البحث عن أجندات خاصة، وأعتقد أن الأموال والتمويلات الضخمة إذا دخلت من باب خرجت الثقافة من الباب الآخر.
< شهدت الدول العربية إبان ثورات الربيع العربى صعودًا لتيار الإسلام السياسى الذى ما لبث أن تهاوى بطرق متباينة.. كيف قرأت علاقتهم بالثقافة؟
<< أعتقد أن تيار الإسلام السياسى لم يكن لديه أى حضور ثقافى، فلم يكن هناك رمز للإسلام السياسى على مستوى الثقافة، ربما يكون لهم رموز فى الماضى مثل نجيب الكيلانى على وجه الخصوص، فالإسلام السياسى أو الإخوان المسلمون ترعرعوا ونموا فى ظل ضعف الأنظمة، فقد كان نظام مبارك ضعيفًا جدًا، والإخوان كانت لديهم أموال ضخمة استطاعوا أن يستقطبوا بها الفقراء وغير الفقراء وأن ينشئوا مشاريع تحت مسميات ليست خاصة بهم، وعندما حدثت ثورة 25 يناير التى أرى أنها كانت ثورة تعبر عن الناس بشكل قوى جدًا ولكن ركوب الإخوان الموجة واستخدام أموالهم وطاقاتهم المتنوعة وجماعتهم أعتقد أنه أفسد المشروع التثويرى أو المشروع الانتفاضى، بسبب تحالفاتهم الغامضة، فقد كانوا أقوى جماعة منظمة فى 25 يناير، لذلك استطاعوا أن يعقدوا تحالفات متنوعة مع السلطة البديلة آنذاك «المجلس العسكرى» وتمت التحالفات بقوة شديدة جدًا وأقاموا علاقاتهم بالخارج فى شتى أنحاء العالم منهم الغرب وأمريكا ومنهم البلاد العربية، لكن لم يكن لهم حضور ثقافى، وربما كانوا يحتقرون الثقافة.
< هناك بعض أساطين الثقافة طالبوا من قبل بالتطبيع الثقافى مع إسرائيل؟ فما رأيك؟
<< أنا ضد التطبيع مع إسرائيل بشكل قاطع، وليس ذلك بسبب الماضى أو أن هناك دماء بيننا وبينهم، ولكن بسبب المستقبل، فلن نستطيع أن نتفادى كافة الأخطار التى ينتجها الكيان الصهيونى، وأنه كيان عدوانى وفى نشأته نشأ على العصابات، أما كونه أخذ أشكالاً ديمقراطية وأصبح يشبه الغرب، لكنه فى الأساس هو تكوين عدوانى، وبالتالى لا يصح أن يكون هناك تطبيع، فيكاد يكون الكيان الصهيونى هو سبب رئيسى فى تخلفنا وتردينا، فهو شوكة فى ظهر العرب حتى الآن، وقد صنع من أجل تقزيم وتحجيم القوى العربية، وبالتالى إذا أقمنا معه تطبيعًا فهذا أمر مرفوض، فعندما وقعت حادثة الجندى المصرى محمد صلاح مؤخرًا ظهرت الكراهية الشديدة جدًا تجاه المصريين، ولذلك فالتطبيع الموجود حاليًا هو تطبيع نخبوى، تطبيع جماعات منتفعة فى النهاية، أما الناس فيكرهون إسرائيل.
< ما رؤيتك لإشكالية السلطة والمثقفين خاصة أن البعض يرى أنها شائكة؟
<< نعم العلاقة بين السلطة والمثقفين علاقة شائكة ومركبة ومعقدة، وأى سلطة جديدة لها حضورها وقوتها تجد كثيرًا من المنتفعين، وأتذكر أنه فى ثورة يوليو 1952 صدر قرار التطهير ومن ضمنه إبعاد توفيق الحكيم رئيس دار الكتب، والبعض أبلغ عن زكى طليمات أيقونة المسرح من أجل إزاحته هو وغيره، فهناك جانب كبير من المثقفين يشتغلون عملاء للسلطة على مدى عقود بشكل عام، ولم ينج من هذا التعامل نوع معين، والسلطة فى فترة من الفترات كانت قادرة على إدارة التعامل مع أنواع المثقفين، فحتى تتخلص ثورة يوليو 1952 من الإخوان المسلمين بعد أكتوبر 1954 كانت محاولة اغتيال جمال عبدالناصر ذريعة سياسية أو سببًا على الأقل لإبطال فاعلية الإخوان المسلمين بشكل عام، وعندما أحبطوا دور الإخوان المسلمين بدت إشارة خضراء للتيار الليبرالى أو التيار التقدمى أو اليسارى ليعمل من 1954 لدعم السلطة وإعاقة الإخوان المسلمين، فالعلاقة بين السلطة والمثقفين مشتبكة وليس معنى ذلك مقاطعة السلطات ولكن التعامل معها بحذر حتى لا يحدث التماهى بين مصلحة المثقف ومصلحة السلطة.
< فى رأيك ما هو الدور المنوط بالمثقفين لاستعادة المشروع النهضوى؟
<< المشروع النهضوى يحتاج إلى اقتناع الدولة أولاً بهذا المشروع، ولابد أن تكون هناك حريات، وأن يعمل المثقف فى أمان، فالمثقف لديه ثقافات مخزونة، لكنه لا يستطيع أن يقول كل ما لديه، فالثقافة موجودة لكنها على الأرفف، وأنا فى الفترة الحالية أتعامل مع وزارة الثقافة، وأرى أن المسئولين فيها يدعون أفرادًا من المثقفين لكى يقدموا أفكارًا أو أعمالاً ذات شأن، ومن خلال التعاون الفعال بين المؤسسات الرسمية وبين المثقفين والكتاب والمفكرين أو الفنانين الجادين نستطيع أن ننهض بالثقافة وأن تكون هناك كتابات على مستوى تاريخنا الثقافى، سواء فى الرواية أو الشعر أو المسرح الذى تراجع الآن وأصبح مسرحًا استهلاكيًا وسلعيًا، يغازل الشباك أكثر مما يغازل القيمة، وأعتقد أن التعامل الحر والشفاف بين المؤسسات الرسمية وبين جماعات المثقفين، بالإضافة إلى فتح الأبواب للشباب وهو شىء مهم، سوف يسهم فى إنتاج ثقافة عظيمة.
< لكل شاعر مشروعه الشعرى الذى يتمثل فى تجربته الخاصة.. ما ملامح هذه التجربة بالنسبة إليك، وهل من الممكن أن يصبح الشعر سلاحًا لتغيير الواقع، وما رأيك فيمن يقولون إن الشعر أصيب بحالة من الانحسار فى الثقافة حاليًا؟
<< بالنسبة لتجربتى، فقد بدأت شاعرًا وعمرى 20 عامًا، ودخلت فى تجربتين جامعيتين فى مجلة «إضاءة» 1977، وكانت تجربة تثويرية أو حماسية بكل أخطائها ثم شاركت فى إصدار مجلة أخرى اسمها «كتابات» 1979 ومعى الصديقان الراحلان رفعت سلام ومحمود نسيم، وكانت لدينا طموحات شعرية كبيرة جدًا، لكننى كنت مختلفًا عن أصدقائى لأننى كنت خارجًا من بيئة سياسية شعبية جماهيرية، وكنت حريصًا أو أرى أن الشعر لابد أن يخاطب الناس مباشرة ولا يفقد قيمه الجمالية، وأن تكون هناك علاقة بينه وبين الناس، فأصدقائى وقتها كانوا يكبرون من صورة الخيال واللغة والصورة الشعرية كان بها كمية تعقيدات، وأعتقد أن شعراء السبعينيات تحت شعارات معينة أحدثوا قطيعة بين الشعر والجمهور، فقد كره الناس الشعر بسبب شعراء السبعينيات، لأن شعراء السبعينيات كانوا يتنافسون فى كتابة أشياء لا تُفهم، اعتقادًا أن الشعر غير المفهوم كثيرًا هو الأهم والأجمل، ولكن جيل الثمانينيات بدأ فى تهذيب هذه الأفكار، ثم جاء شعراء جيل التسعينيات، الذين استطاعوا أن يكتبوا قصيدة مفهومة ومستوعبة، أما عن الشعر نفسه فهو عبارة عن صرخة مدوية من الممكن أن توثر فى الناس، فالناس يريدون الطعام والشراب والتعليم والسكن النظيف حتى يستطيعوا سماع الشعر، فالشعر حاليًا هو أقل الأدوات تأثيرًا فى الناس عكس السينما والمسرح والدراما ووسائل التواصل الاجتماعى بشكل عام، فالشعر لم يتوارَ لكونه شعرًا، ولكنه توارى لأن منافسيه أقوياء جدًا، فالعالم يحب «الحدوتة» مثل الرواية والمسرحية والدراما، والشعر أصبح تلقيه صعبًا خاصة بعدما فقد دوره المنبرى، وأصبح يقرأ مثله مثل الرواية، فالرواية تكسب الآن وليس هذا معناه ضعف الشعر ولكن ضعف المناخ العام الذى يفقد المتلقى قدرته على الاستيعاب.
< إذن هل أنت مع هجرة الشعراء إلى فنون الكتابة الأخرى مثل الرواية؟
<< من الممكن، لأن هناك شعراء ذهبوا إلى حقل الرواية يأسًا من الشعر ولتجريب طاقتهم السرية فيما بعد.
< ما تقييمك للجوائز العربية وهل هى تعمل على تطوير العمل الثقافى فى العالم العربى؟
<< هناك جوائز أحدثت حراكًا قويًا وفى مقدمتها جائزة البوكر، لأننى أعتقد أنه شارك فى تأسيسها وإنشائها بعض الأصوات أو الطاقات التى تفكر جيدًا، وقد استطاعت أن تقدم نموذجًا من الحراك الثقافى، ما عدا ذلك تنحصر الجوائز فى قيمتها المالية، أما البوكر فقد تجاوزت هذا الهدف وربما تكون جوائز المجلس الأعلى للثقافة أيضاً فى مؤتمرى الرواية والشعر تجاوزت فكرة الجوائز، لكن تظل جائزة البوكر هى الأبرز والأبرع حتى الآن.
< ماذا عن كتابك «لماذا تموت الكاتبات كمدًا»، وما أهم الخطوط العريضة التى أردت طرحها؟
<< الاضطهاد أو الاستبعاد أو التقزيم أو تسخيف المرأة بشكل عام ينسحب على المرأة الكاتبة، وقد رصدت فى هذا الكتاب أكثر من تجربة للاضطهاد مثل مى زيادة التى اتهمها زملاؤها ولم يكتبوا عنها ككاتبة، فهناك كتب مثل كتاب «زعماء الإصلاح» لأحمد أمين الذى صدر عام 1948 تجاهل أى سيدات موجودات فى القرن العشرين، وقد تكلم عن محمد عبده والكواكبى وأحمد لطفى السيد وعن مجموعة كبيرة من الشخصيات ولم يأت بامرأة واحدة، وكانت هناك كتابات كثيرة تصدر خاصة كتب التاريخ التى تجاهلت بضراوة الكاتبات، ولذلك رصدت استبعاد الكاتبات بنماذج وشواهد وما زال هناك كتاب آخر قادم بإذن الله بعنوان «كاتبات ضد الإقصاء» يرصد ذلك بشكل كبير، فقد كشفت عن واقع أليم كان موجودًا وما زال موجودًا حتى الآن، فهيئة الكتاب منذ أنشأتها سهير القلماوى فى أواخر الستينيات حتى الآن لم يتولَّ مسئوليتها سوى رجال وقِسْ على ذلك أشياء كثيرة. وكذلك هيئة قصور الثقافة لم تتولَّها امرأة أبدًا، هناك حالة تمييز ذكورى موجودة تضع المرأة فى مكان أدنى طوال الوقت.
< أخيرا.. ما مشروعك الثقافى القادم؟
<< عندى كتاب «الثقافة المصرية.. سيرة أخرى» صدر منه جزآن، الجزء الأول 500 صفحة والثانى 700 صفحة وأحاول أن أرصد المسكوت عنه أو المستبعد من الثقافة المصرية عبر نصف قرن من أيام ثورة يوليو حتى الآن فى شكل نماذج أو أحداث، وأتمنى أن تصل هذه السلسلة إلى خمسة أجزاء، وأن أستطيع أن أغطى هذه المرحلة بشكل ما.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض