أوراق مسافرة
بديهة بشرية، أن يضيع الحياد غالبًا عندما يكون شخص واحد هو المتحكم فى زمام الأمور كلها، يمكن ضمان الموضوعية قدر الإمكان عندما تكون جماعة هى من تتحكم فى هذا الأمر، ما لم يتفق الجمع بالطبع على الانحياز الفاسد، وقس على هذا، وفى شأن التأريخ، يستوجب الأمر إلزامًا أن يقوم بكتابة التاريخ جماعة محايدة، لجنة أو هيئة مستقلة من فطاحل علماء التاريخ والسياسة والمجتمع، لا شخص تحكمه الأهواء فيقع فى نزق المجاملة أو التمجيد، أو يميل إلى النقيض.
من الجنون أن تجنح الأهواء أو يخضع المؤرخون إلى أوامر سلطة أو زعامة ليغفلوا عمدًا فترة تاريخية ما فى بلدهم، لمجرد أن تلك الفترة عكرت مزاج أو صفو أجواء القيادة الجديدة، فهذا تزوير بيّن لتاريخ الشعوب لن يغفره التاريخ نفسه، والذى مهما بُذلت محاولات محوه، يظل محفورًا فى وجدان من عاصروه، ونقلوه بحذافيره بصدق لأبنائهم، ومن الأبناء للأحفاد وهكذا، لذا ليس من مصلحة أى رئيس أو زعيم دولة أن يمزق أوراق تاريخ من قبله، أو يشوهه، ليظهر فى المقابل حسناته، أو حتى يجمله ليتمسح به ويدعى أنه يسير على نهجه.
كل فترة تعيشها دولة ما، هى مختصة بذاتها وإن ارتبط جزء منها بالماضى، وامتدت بعض أفرعها للمستقبل، ولكنها فى كينونتها فترة لها خصوصيتها، تفاصيلها، ملامحها، ولا يمكن إسقاطها أبدًا على فترة أخرى بحلوها ومرها، ففى هذا تزوير وتدليس، وأعود إلى السؤال الجوهرى، من يجب أن يكتب التاريخ؟، ومتى يمكن كتابة التاريخ؟
كما أشرت يجب وجود هيئة مستقلة، أفرادها يتم اختيارهم بدقة ليكونوا منزهين عن التوجهات أو الميول السياسية أو الدينية، لم يضاروا ولم ينتفعوا عن قرب من الرئيس أو الزعيم الذى تربع على سدة الحكم فى الفترة المراد تأريخها، يتمتعون بالحياد التام، والعلم والوعى العميق.
أما أن يكتب شخص أو أشخاص منفردين التاريخ، وأن يتم ذلك من خلال بعض الدراسات والأبحاث العلمية ورسائل جامعية للماجستير والدكتوراه، فهذا أمر مرفوض وبه عوار هائل يعصف بكل حياد وموضوعية.
أما متى يُكتب التاريخ؟، فهو يُكتب بعد انتهاء الفترة السياسية المؤرخ عنها بسنوات كافية، فكما هو معلوم، من فى قلب الدائرة أو الحدث يفتقد للرؤية الموضوعية والتقييم السليم، أما من هو خارج الدائرة وبعيد عن الحدث فيمكنه الكتابة والحكم بصورة صائبة لا تأثر شخصى بها ولا انفعال، بشرط أن تكون تلك الهيئة أو اللجنة بعيدة عن تأثير من يقودون المرحلة السياسية الجديدة، حتى لا يقدموا تاريخًا موجهًا بوجهة نظر هذا القائد الجديد للمرحلة.
أعترف أن ما أطلبه يبدو شبه مستحيل، خاصة وأن مصر شهدت تشكيل هيئات أو لجان مشابهة لما أطالب به، وذلك عندما طلب الملك فؤاد من مؤرخ إيطالى يدعى «كرابيتيس» أن يؤرخ لفترة حكم أسرة محمد على، وكان يقصد بالطبع أن يكتب عن الخديو إسماعيل والد الملك فؤاد، فجاء ما كتبه هذا الإيطالى تزويرًا فاضحًا للتاريخ، أغفل فيه كل أخطاء بل خطايا الخديو إسماعيل من إغراق مصر فى الديون وحياة الإسراف والبذخ التى عاشها، وكرر الرئيس السادات نفس الخطأ حين شكل لجنة لكتابة التاريخ لتكتب عنه عام 1976 لينفى عن نفسه تخليه عن نهج ثورة 23 يوليو التى كان له دور فيها، وابتعاده عن الاشتراكية وهدف تحقيق العدالة الاجتماعية وجنوحه إلى الرأسمالية، فكتبوا عنه تاريخًا غير حقيقى لا يمت لسياسته بشيء.
رغم هذا وذاك، ما زلت أرى وقد يتفق معى كثيرون أن كتابة التاريخ لا يجب أن تتم على عجالة فى نفس الفترة السياسية، ويجب أن يقوم عليها هيئة محايدة، وتتم مراجعة ما يكتب من خلال لجنة عليا من علماء التاريخ والسياسة والاقتصاد والمجتمع، وأن تتم الاستعانة بوثائق وشهادات تاريخية، مع رصد لطبيعة ومتغيرات المجتمع من تلك الوثائق والشهادات.