البابا تواضروس: استنارة العقول سلاح الأقباط لمواجهة حروب التشكيك الإيمانى
الكنائس المصرية تزخر بالفعاليات الروحية
احتضنت محبة الأقباط قداسة البابا تواضروس الثانى، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، خلال الاجتماع الأول بعد توقف دام ثلاثة عشر أسبوعًا، إثر تعرضه لوعكة صحية لم تمكنه من مواصلة دره الرعوى وحضور لقاءات مباشرة مع الشعب الكنسى.
ولم يترك البابا تواضروس أبناء الكنيسة حتى فى أصعب الظروف وظل يتواصل من خلال رسائل الأمل والأمان، حرصًا منه على وجود جسور اتصال مع الأقباط وفسر فيها تطور وضعه الصحى بالتفصيل حتى ينهى الجدل الذى أثير على مواقع التواصل الاجتماعى، ويوقف الشائعات والأخبار الخاطئة التى تم تداولها منذ اعلان مرضه نهاية الشهر الماضى.

عودة البابا تواضروس إلى أحضان الكنيسة
ووسط أجواء من البهجة تسودها حالة من السعادة والاطمئنان استعد الأقباط منذ إعلان عودة اجتماع قداسة البابا بلهفة الابن الذى عاد والده من الغربة بشوق وامتلأت الكنيسة بأعداد كبيرة حرصوا على رؤية أبيهم فى ظهوره الأول بعد تعافيه من الوعكة الصحية التى تعرض لها مؤخرًا، واستقبل الحاضرون قداسته بحفاوة بالغة وفرحة عبروا عنها بكلمات التهنئة العفوية وأحضان الطفولة والزغاريد.
محبة الأقباط تحتضن عودة البابا تواضروس
فاض شوق الأقباط لحضور اجتماع البابا والذى أقيم الأربعاء الماضى، فى الكاتدرائية المرقسية بالإسكندرية، استهلها قداسته بإقامة صلوات «رفع بخور عشية» بحضور واسع ومشاركة الآباء الأساقفة الذين حرصوا على التواجد فى الاجتماع العام الأول بعد رحلة شفاء قداسة البابا من التهاب العصب السابع الذى أصابه بسبب الإجهاد الشديد خلال شهر مايو الماضى إذ أخذت محبة البابا تجوب الأرض من الفاتيكان وروما والعاصمة النمساوية فيينا، وصولًا إلى الفترة الرعوية فى أرض الوطن والتى شهدت احتفالا بذكرى دخول العائلة المقدسة مصر، واجتماعات المجمع المقدس وغيرها من الفعاليات الروحية التى ترأسها خلال فترة قصيرة.

شارك فى اللقاء عدد كبير من الآباء العموم المشرفين على القطاعات الرعوية، والأب القمص أبرآم إميل وكيل البطريركية ومجمع كهنة بالمحافظة، ظهرت محبة وترحيب الآباء بعودة قداسة البابا من خلال كلمة نيافة الأنبا بافلى الذى عبر عن فرحته وفرحة الكنيسة وشعبها باستئناف قداسته نشاطه الرعوى وعودته بكامل صحته.
البابا تواضروس الراعى الصالح.. داعم الشباب القبطي
يعتمد البابا تواضروس فى رعاية الأقباط على مبدأ الدعم والحكمة ورغم امتلاء الكنيسة بالمصلين وانتظار كلمته الروحية بشغف واسع المدى والتفاف المسيحيين أمام شاشات التليفزيون لمتابعة أول عظة روحية بعد عودته، إلا أنه حرص قبل أن يستهلها على تكريم 33 طالبًا من متفوقى الشهادة الإعدادية بالإسكندرية، كما حرص على الاستماع لإحدى الترانيم قدمتها خادمة بلغة الإشارة تشجيعًا لذوى الهمم من الصم وضعاف السمع، وناقش احدى الباحثات فى رسالتها المقدمة لدرجة الماجستير لتعكس هذه التصرفات مدى قرب وتواصل البابا مع مختلف الفئات العمرية ومدى قربه من فؤاد وطموح الشباب القبطى.
صوم الرسل.. أقدم العبادات فى الكنيسة القبطية
استهل قداسة البابا فعاليات العظة الروحية بتقديم التهنئة للأقباط بمناسبة عيد الآباء الرسل الأوائل التى احتفلت به الكنائس الأسبوع الماضى بعد فترات «صوم الرسل» وهو أقدم عبادة مارسها المسيحيون، نظرًا لارتباط هذا الصوم بالرسل الأوائل الذين بشروا بالمسيحية حول العالم فى القرون الأولى، ولم يترك البابا هذه المناسبة دون التعبير عن تقديره لما شعره من تأثر بصلوات آباء وأبناء الكنيسة لأجله خلال فترة المرض، إلى جانب جهود الفريق الطبى المعالج معه.
«معلومات قبطية» أولى فعاليات اجتماع البابا تواضروس
شرح البابا تواضروس خلال العظة بعض المصطلحات القبطية التى تتبعها الكنيسة خلال الصلوات واستهل بكلمة «أوشية» والتى تعنى «طِلبة» وتصلى الكنيسة العديد من الأواشى (الطلبات) مثل أواشى المرضى والراقدين والمسافرين ورئيس أرضنا والزروع ومياه الأنهار والأمطار والهواء وغيرها وأن الطلبات القصيرة يصليها الأقباط تبدأ بعبارة: «نعم نسألك أيها المسيح إلهنا ثبت أساس الكنيسة».
تأمل البابا تواضروس فى معانى ومفاهيم كلمة «الكنيسة»
كان هذا المفهوم هو المدخل لشرح المعنى القوى الذى أراد أن يضعه البابا فى نفس المسيحى المتأمل وفسر قداسته فى الطلبة الأولى من هذه الطلبات وهى «ثبت أساس الكنيسة» موضحًا أن الكنيسة هنا هى الـ«هيكل» حسب ما ورد فى الكتاب المقدس مزمور (١كو ٣: ١٦)"أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ"، وأيضًا بمعنى «الأسرة» التى تعد أمرًا هامًا فى المسيحية وتمثل الكنيسة أيضًا كما ذكر فى (فل ١: ٢) «الْكَنِيسَةِ الَّتِى فِى بَيْتِكَ»، ذلك بالإضافة إلى المعنى المعروف حرفيًا وهى الكنيسة المنبر التى تحتضن الصلوات وفعاليات روحية للأقباط، ثم يصل معنى الكنيسة أيضًا إلى مفهوم الانتماء والعقيدة ويقصد بها «الكنيسة القبطية الأرثوذكسية».
أسس الثبات الأقباط والكنيسة الأرثوذكسية
أخذ البابا هذه المفاهيم وفسر معانيها الثلاث، والتى تعنى «الثبات على الخلاص بالصليب فى قلب المؤمن»، وأيضًا «ثبت الاستنارة بالكتاب المقدس وأسرار الكنيسة والمعمودية فى العقل»، وأخيرًا «الثبات للاشتياق السمائى وعشرة المسيح والأبدية».
تناول البابا أهمية «الاستنارة العقلية» التى تنير للإنسان عتمة الجهل وتشيره إلى المعرفة الصحيحة والوقوف على أرض قوية من الإيمان والانتماء وأيضًا تساعد على مواجهة حروب التشكيك الإيمانى المنتشرة بكثرة على وسائل التواصل الاجتماعى، واختتم البابا عظته الروحية برسالة قوية للشباب يرسخ فى وحدانهم قوة العقيدة ويؤكد أنه لا يوجد سؤال فى المسيحية ليس له جواب وطلب من الشباب القبطى ألا يكونوا مثل ريشة تحركها الرياح وتغير من مبادئهم وأفكارهم مؤكدًا أن الاستنارة سلاح عقلى قوى بساعد صاحبه على الثبات والإيمان.

القديس الأنبا شنودة.. منح ديره للجيش واحتضن خوف المصريين
وبعد أيام من تأثر الأقباط بعودة البابا تواضروس، أعادت الكنائس القبطية ذكرى نياحة القديس الأنبا شنودة رئيس المتوحدين، أحد أبرز الشخصيات التى مرت على التاريخ القبطى وتركت بصمة واضحة تعكس مدى محبته للجميع وأحبه المسلم والمسيحى فى مصر بعد موقفه التاريخى الذى لايزال عالقًا فى ذاكرة أبناء هذا البلد.
تروى كتب حفظ التراث المسيحى أنه تنبأ بميلاد هذا القديس أعداد كبيرة من الآباء القديسين ومنهم البابا أثناسيوس الرسولى عندما كان منفيًا فى إخميم، إذ شاهد معبدًا التف حوله عبدة الأوثان فحزن ونام وظهر له رئيس الملائكة ميخائيل وأخبره بأنه سيولد طفل يحمل اسم «شنودة» سيجاهد الهراطقة وسيقضى على تعاليمهم وسيكون له دور عظيم فى الرهبنة.
ومن النبوءات التى رأت ميلاد الأب الراهب، هو القديس هرساسيوس المتوحد، أحد رهبان «الأنبا باخوميوس» حين نزل لشراء بعض احتياجات الدير فرأى امرأة تستقى ماء فنزل إليها من فوق دابته وقبل رأسها وقال لها «الله يبارك ثمرة أحشائك ويهبك ابنًا كالعنبر» وبحسب ما ذكرته الكتب المسيحية حينها رأى الراهب ملاكًا يحرسها، وغيرها من النبوءات التى أرشدت الأقباط بميلاد هذا القديس الجليل.
يعتبر الأقباط القديس الأنبا شنودة أبرز صانعى التاريخ الرهبانى فى مصر الذى ترك إرث قبطى عظيم ووضع قوانينهم واعتبر من أبرز الآباء بمجمع أفسس المسكونى.
وتفيض الكنيسة القبطية بكنوز بشرية ساهمت فى ترسيخ مبادىء ومعانى روحية كبيرة من بينهم الأنبا شنودة «ارشمندريت» أى رئيس المتوحدين الذى يعد أشهر شخصية تمثل رهبنة الشركة فى مصر بعد القديس باخوميوس.
وُلد رئيس المتوحدين، ببلدة شندويل بـ«إخميم» وهى قرية تتبع مركز المراغة فى محافظة سوهاج، وعاش فى كنف أسره يفض حبها للمسيحية والتقوى، ويدعى والده «أبيجوس» وكان مزارعًا يملك أغنامًا كثيرة، وأمه هى"دروبا" اشتهرت بإيمانه وحبها للخير.
شكلت هذه الأسرة وجدان طفلهم وزرعت فى نفسه محبة الإيمان والفضيلة، ومال فؤاده منذ صغره إلى الخلوة والصلاة وعندما بلغ عمر التاسعة عمل مع والده فى رعاية الأغنام واستغل وجوده فى الخلاء لممارسة عبادة الصوم والصلاة.
قص أحد الرعاة الذين كانوا بصحبة الطفل شنودة فى هذه المرحلة العمرية أنه وجده جاثيًا على ركبتيه يصلى وكانت أصابع يديه تضئ كالشموع وتفوح من حوله رائحة البخور، ويعتبر هذا الموقف بمثابة نقطة تحول فى حياة هذا الفتى التقى، وشاع عنه هذه المعجزة وعندما علم والده البركة التى تحوم حول صغيره أرسله إلى الدير الذى يرأسه الأسقف حينها الأنبا بيجول، حتى يشبع رغبته فى الإيمان والتأمل وتنمو الفضيله فى قلبه، وكانت من أشهر الروايات التى نقلت لحظة دخول هذا الطفل الحياة الديرية هو موقف رئيس الدير آنذاك حين وضع يد الصبى على رأسه بدلًا من مباركة الأسقف لرأس الصبى.
وكانت ممارسة العبادات داخل الدير بمثابة الهواء الذى يتطاير فى صدر الطفل شنودة حتى فاض منه الإيمان بصورة جعلت جميع الرهبان بعد نياحة الانبا بيجول يطالبون باختياره رئيسًا للدير، وبالفعل تحقق مطلب الآباء وتولى الأنبا شنوده رعايتهم وفاق اهتمامه بهذه المسؤولية حتى تزايد عدد الرهبان.
لا يزال دير الأنبا شنودة فى غرب سوهاج يحتل مكانة كبيرة ويأتى فى مقدمة الأديرة الهامة بتاريخ مصر الرهبانى ويقصده العديد من الأقباط بصورة دورية للمباركة بروحنيات هذا المنبر الإيمانى العريق.
الأنبا شنودة ودوره الوطنى
كان لهذا القديس دور وطنى كبير لا يمكن إنكاره وتعددت أدوار ومحاور خدمته ولم ينعزل القديس شنودة ورهبانه الآلاف عن المجتمع المصرى وتقديم العون والمساعدة حين قصد الغزاة صعيد مصر، فوقف الأب القديس أمامهم وأقنعهم أن يأخذوا الغنائم دون قتل الأبرياء وفتح ديره للمتضررين ليستقروا فيه وظل درع الحماية والأمان للشعب المصرية لمدة ثلاثة أشهر وكرس الرهبان حينها لعلاجهم ورعايتهم، وكان يتم دفن الاحلين حينها داخل الدير دون النظر إلى دينه أو مذهبه.
ويذكر التاريخ المسيحى أيضًا موقفًا هامًا لهذا القديس تجاه الوطن حين منح ديره الذى ضم 2200 راهب، لقيادة الجيش المصرى أثناء الحرب، وأصبح القديس الانبا شنودة، مثالًا محبًا للإنسانية وعاش 118 عامًا فى محبة المصريين مسلمين ومسيحيين، وكانت المحبة والإنسانية عنوان هذا القديس الذى قضى 66 عامًا فى الحياة الرهبانية وكان رئيسًا لعدد من الأديرة، وصار بعظاته وتعاليمه موسوعة قبطية ثقافية تردد على مجالسه جميع أطياف الشعب المصرى، وتنيح هذا القديس وانتقل إلى السماء خلال «مجمع المائتين بأفسس».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض