حمد الباسل باشا، ذلك الرجل الذي امتزجت حياته بنبض الوطن وهموم شعبه، لم يكن مجرد سياسي أو قيادي فدي قديم، بل كان رمزا للوفاء للوطن ومبادئه.
ولد في عام 1871 في قلب محافظة الفيوم، بين أهله من قبيلة الرماح، حيث تولى عمدة القبيلة وهو لا يزال شابا صغيرا، بفضل ثقة الخديوي في قدراته وحنكته.
منذ نعومة أظافره بدا واضحا أن هذا الرجل يحمل في نفسه إرادة صلبة وعقلا واعيا للواقع السياسي والاجتماعي من حوله، ولم يكن غريبا أن يصبح لاحقا أحد أبرز قادة حزب الوفد، وأن يشارك بنشاط ملحوظ في حركة 1919 التي هزت أركان الاستعمار البريطاني، وجعلت من المصريين شعبا متحدا في وجه الظلم والاستبداد.
في 8 مارس 1919، لم يكن اعتقال حمد الباسل وحده أمرا عاديا، بل كان اعتقاله مع سعد زغلول وإسماعيل صدقي ومحمد باشا محمود في منزله، وتلقيه خبر نفيه إلى مالطا، حدثا هز مشاعر أهالي الفيوم وأشعل شرارات الغضب والاحتجاجات في كل أرجاء المحافظة.
تلك الفترة، التي شهدت قمعا سياسيا شديدا، لم تكسر إرادة الباسل، بل زادته إصرارا على أن يظل صوت الحق رافعا في ساحات السياسة والعمل الوطني، فكان مثالا على القوة التي يمكن أن يمتلكها الإنسان عندما يكون وطنيا في جوهره.
ومع مرور الوقت، وبفعل رؤيته المستقلة وشعوره العميق بالمسؤولية تجاه وطنه، قرر حمد الباسل الانفصال عن الوفد في حوالي عام 1932، ليؤسس ما عرف لاحقا باسم «الحزب السعدي»، محاولة منه لتجديد العمل السياسي في مصر، وإيجاد مساحة لرؤية سياسية متطورة تعكس هموم الناس وتطلعاتهم.
كانت لديه مبادرات وطنية واضحة، ولعل أبرزها مواقفه القومية الصادقة، فهو لم يكتف بالدفاع عن مصر وحدها، بل امتد إحساسه بالمسؤولية ليشمل الأمة العربية، فوقف إلى جانب الثورة الليبية، وصادق عمر المختار، ودعم المجاهدين الليبيين ماليا واستضاف بعضهم في الفيوم، في موقف يعكس عميق شعوره بالانتماء للعروبة وقيم الكرامة والحرية.
حمد الباسل لم يكن مجرد ناشط سياسي، بل كان برلمانيا محنكا، شغل مناصب عدة منها وكيل مجلس النواب ووكيل حزب الوفد، حيث ترك بصمات واضحة في العمل البرلماني، وحافظ على التوازن بين العمل السياسي والمبادئ الوطنية، محققا احترام الجميع، سواء من زملائه أو معارضيه.
وكان أدبه وعلمه جزءا لا يتجزأ من شخصيته، فقد كتب كتابه «منهج البداوة» الذي يعكس جذوره القبلية، وترك أيضا أعمالا شعرية زجلية تعبر عن روحه وعلاقته العميقة بأرضه وعشيرته.
ومن بين مواقفه التي تدل على شجاعته الوطنية وحرصه على القيم، دعوته للاحتفال بتأبين عمر المختار في 12 نوفمبر 1931، رغم القيود الأمنية التي فرضتها حكومة إسماعيل صدقي، وتكريسها لطوق أمني حول منزله.
هذا الحدث لم يكن مجرد احتفال، بل كان بيانا حقيقيا عن التضامن مع القضايا العادلة ورفض الظلم، وعن قدرة الفرد على رفع صوته في وجه السلطة حين يمسك بزمام الحق.
لم يكن الباسل باشا بعيدا عن العالم، فقد أتقن اللغات الأجنبية كالإنجليزية والفرنسية، وسافر كثيرا إلى أوروبا، وعرف زعماء عربا وشيوخ العراق، وبنى علاقات قوية خدمت قضاياه الوطنية والإقليمية.
ومع ذلك، لم ينس جذوره في الفيوم، ولم يبتعد يوما عن الناس البسطاء، بل ظل قريبا منهم في فكره ووجدانه، حريصا على أن يكون حاضرا في حياتهم السياسية والاجتماعية.
إن الحديث عن حمد الباسل باشا ليس مجرد سرد للسيرة السياسية لشخصية تاريخية، بل هو استحضار لقيم الوطنية والوفاء والمبادرة والشجاعة.
هو مثال حي على كيف يمكن للقلب الوطني أن يتحرك بعزم وثقة، وعلى كيف يمكن للإنسان أن يجمع بين الفكر والسياسة والعمل الميداني من أجل خدمة وطنه.
في زمن تحتاج فيه مصر لكل حام لمبادئها، ولأي صوت صادق يدافع عن حقوق شعبه، تظل ذكرى حمد الباسل باشا نورا يضيء الطريق، ويذكرنا بأن الوطنية ليست مجرد شعارات، بل أفعال وتصميم وإصرار على مواجهة الصعاب مهما كانت التحديات.
حين نعود إلى سيرته، نجد فيه روح مصرية أصيلة، تجمع بين حنكة العقل وعذوبة القلب، بين الالتزام بالمبادئ والمرونة في التعامل مع الواقع، بين الدفاع عن القضايا المحلية والقومية، وبين التواصل مع شعوب العالم وتبادل الخبرات.
وهكذا، يصبح حمد الباسل باشا أكثر من مجرد اسم في التاريخ، بل رمزا للوفاء والعطاء، وتجسيدا للروح الوطنية التي لا تموت، والتي تجعلنا جميعا نتذكر أن مصر بأهلها، بأبطالها الصغار والكبار، تظل حية في كل قلب يحبها، وتظل الأمة العربية، حين يجتمع أبناؤها على الحق، أكثر قوة وصلابة.
حمد الباسل باشا علمنا أن الوطنية ليست مجرد شعارات تكتب على الورق، بل أفعال تشهد بها الحياة اليومية، وقرارات تتخذ بضمير حي، وقلب مليء بالحب لشعبه وأمته، وأن القيادة الحقيقية هي من تعرف متى تتحدث، ومتى تتحرك، ومتى تقدم التضحيات دون خوف أو تردد، وهكذا تبقى سيرته دربا يحتذى، وقصة يرويها التاريخ لكل من يبحث عن معنى الوطنية الحقيقية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض