طلة
لا أتفاعل مع رسائل الأعياد والمناسبات المعلبة التي يتبادلها الناس؛ لذا لا أرسل فى أى مناسبة أية تهنئة لأحد ليس تكبرا ولا كبرا لا سمح الله ولكن لأَنِى لا أعترف بتلك التهانى التى انتشرت مؤخراً وفرغت معنى التهنئة بأى مناسبة من مضمونها. أعتبر نفسى وبكل فخر دقة قديمة، أنتظر رِن جرس التليفون أو باب البيت لأجد أمامى شخصا من لحم ودم لم يختبيء وراء زراير الكمبيوتر أو الموبايل ليرسل لى تهنئة جافة لا روح فيها لأنها جاءته كذلك فقام بشكل تلقائى بإعادة بثها لكل من هو مسجل عنده لتصل لكل الناس حتى من رحلوا عن دنيانا ولاتزال أرقامهم فى موبايلاتنا.
لذا أكاد أطير فرحا إذا قام أحدهم على الأقل بالاتصال بى تليفونيا، هو هنا لا يؤدى عملا روتينيا، بل فكر فعلا فى شخصى المتواضع وقرر أن يهاتفنى. أضعف الإيمان بالنسبة لى إذا كان الاتصال التليفونى صعبا أو غير متاح أن يكتب لى هذا الشخص رسالة خاصة بى شخصيا، كل سنة وأنت طيب يا هشام مثلا، وأرد فورا على المرسل برسالة أذكر فيها أيضا اسمه ليعرف أنها رسالة من لحم ودم موجهة له هو شخصيا وليست سابقة التجهيز لا طعم فيها ولا رائحة. ما يؤكد كلامى عن روتينية هذه الرسائل المعلبة أننى لم أتلق أى عتاب ولم يسألنى أحدهم أبدا: لماذا لم ترد علىّ معايدتى. لم يعاتب لأنها خرجت من أصابعه فلم تلامس حتى أصابع من أرسلت إليه بينما المثل الشعبى يقول إن ما يخرج من القلب يصل للقلب.
ليس معنى كلامى هذا أننى لا أحترم تلك الرسائل لكن الحقيقة هى لا تمس قلبى عكس الاتصال، محاولة الاتصال المباشر ولو هاتفياً. زمان قبل اختراع الموبايل وقبل خاصية إظهار رقم الطالب على الأرضى كانت لى قريبة مطلقة ورغم أن كل محاولات إعادة المياه إلى مجاريها قد فشلت إلا أنها كانت تقول لى إنها تشعر بانبساط شديد عندما يرن تليفون البيت وترفع السماعة ولا يرد الطرف الآخر، كانت تقول بكل ثقة إنه مطلقها وأراد فقط أن يسمع صوتها وهى تقول آلو وتظل ترددها كثيراً قبل أن تضع السماعة، ذكرتنى بأغنية شهيرة لشادية تقول فيها: مخاصمنى بقاله مدة وفى ليلة الشوق نادانى، كلمته سمعت حسه وقفلت السكة تانى. هذا يعنى أن مجرد سماعك لصوت أنفاس شخص ما قد يسعدك أكثر من مليون رسالة جامدة المشاعر. ونفس الشىء فى العيد، أنا مثلا أفرح ولو حتى بمجرد «ميسد كول» من شخص أغلق السكة إما حرصا على رصيده أو أنه لم يشأ أن يطيل الرنة خوفا من أن أكون نائما أو منشغلا، هذه الرنة وحدها كفيلة بأن تبهجنى أكثر من رسالة صماء، ألم يغن أحدهم أغنية: يا واحشنى إدينى رنة هتلاقى الدنيا جنة وتلاقى الأعمى فتح والأخرس قام وغنى؟
هل أدركتم كم المعجزات التى تفعلها تلك الرنة التى تبخلون بها على أصدقائكم؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض