اتجاه
من الواضح جداً أن الدور الصينى- الروسى فى المنطقة العربية، أفقد السياسة الأمريكية توازنها، بعدما تراجع دورها أيضاً، وهناك حالة ارتباك شديدة، تضرب- الآن- إدارة الرئيس جو بايدن، أولاً.. بعد الإعلان عن عودة العلاقات الدبلوماسية، بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وثانياً.. مع التوجه العربى لإعادة العلاقات مع سوريا، التى بدأتها دولة الإمارات، عندما أعادت فتح سفارتها فى»دمشق»، فى العام 2018، ونهضت بها مملكة البحرين، ثم السعودية التى تحدثت عن فتح سفارتها هناك بعد عيد الفطر، الأمر الذى هز البيت الأبيض، وراح يدعو- من دون خجل- إلى عدم التطبيع مع نظام الرئيس بشار الأسد.
الشىء الذى لم يفهمه الأمريكيون، ولم يتوقعوا أن يحدث أن القرار العربى لم يعد مرهوناً برضا» واشنطن»، أو حتى من باب التشاور، وقد بدا هذا القرار العربى واضحاً وقوياً، فى الموقف التضامنى مع سوريا، وقت كارثة زلزال 6 فبراير الماضى، عندما اجتمع القادة العرب، على كسر الحصار على سوريا، ورفع العزلة عن الرئيس بشار الأسد، الذى تبادلوا معه الاتصالات، لإظهار الدعم السياسى والإنسانى للدولة السورية، وقد كانت بادرة انفتاح واسعة توجت بزيارات لوزراء خارجية، ووفود رفيعة المستوى، إلى العاصمة» دمشق»، التقاهم الرئيس «بشار»، وكانت لحظات عربية حقيقية، طويت خلافات 12 عاماً، بصفحة جديدة لرد اعتبار سوريا.
المخاوف الأمريكية من الاصطفاف مع سوريا هى أن تتوحد الإرادات العربية فى اتجاه الدعوة لفرض السيادة السورية على كامل أراضى الدولة، وفى المقدمة منها مطالبة القوات الأمريكية بالمغادرة، والتخلى عن نهب ثروات وبترول البلد لأبنائه السوريين، وتنظر الإدارة الأمريكية لهذا الأمر، على أنها خسارة استراتيجية لصالح النفوذ الروسى، فى واحدة من أهم المناطق، التى تعتبر أفضليات فى الأمن القومى، لأى دولة تباشر مصالحها هناك، وهذا يعنى، أن سوريا- على ما يبدو- سوف تكتسب دوراً إقليميا ودولياً يؤهلها لأن تكون منصة إطلاق النظام العالمى الجديد، بصياغة روسية- صينية، ودعم إيرانى، بديلاً لنظام القطبية الواحدة الأمريكى.
هذا جزء مما يشهده الوضع العربى من تغيرات جيوسياسية عميقة، تجرى على مسار يصحح ما غاب عن الدول العربية من مشاركات فاعلة فى رسم السياسات واتخاذ القرارات الدولية، ونفهم أن هذا الغياب كان تحت ضغوط هيمنة أمريكية، لا تعمل لغير أهدافها ومصالحها، حتى لو على حساب الحلفاء، لكن الصورة الآن فى الطريق إلى تعدد اللاعبين على الساحة الدولية، وعلى المستوى العربى تحديداً، مع عودة سوريا إلى مكانها الطبيعى، على غير ما تتمناه »واشنطن»، وحتى إسرائيل التى يقلقها إعادة إطلاق العلاقات الدبلوماسية مع »دمشق»، وعندها هاجس الدعم الإيرانى، الذى يظل مصدر- ما تقول- أنه تهديد عبر الأراضى السورية.
مع هذا التوجه العربى نحو سوريا، ومع استقبال قادة خليجيين للرئيس »بشار»، وما ينتظره فى عواصم عربية قريباً، أعتقد أن الحدث الأكبر بالنسبة للدولة السورية، أن تعلن مصر عودة العلاقات الرسمية، بين »القاهرة» و»دمشق»، لأن العالم- وقتها- سيوجه أنظاره إلى سوريا، باعتبار أن مصر ذات ثقل عربى ودولى، سوف ينعكس إيجابياً على التمدد السورى، مرة وسط أشقائها، فى جامعة الدول العربية، ومرة أخرى فى لعب دور إقليمى ودولى، على أنقاض الهزيمة المزدوجة، لكل من المؤامرة الأمريكية والتنظيمات الإرهابية..القادم يبشر بروح عربية جديدة، نتمناها نحو وحدة قوية وإرادة مستقلة، لا تعبأ بما تعودت عليه سياسة الإملاءات الأمريكية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض