خارج السطر
ليس أشر من أن يُنصّب البعض أنفسهم حكاماً على عقائد البشر، فيستبيحون دماءهم وأرواحهم عند أول لحظة ارتياب، فيقبلون وصمهم بالكفر، ويقتلونهم جسداً وذكراً ليبقوا فى كُتب التاريخ متهمين للأبد.
فى تاريخنا الإسلامى حكايات وحكايات رُبما أشهرها فى العصر العباسى، عندما كان كل خليفة يتصور أنه مبعوث من الله تعالى لترسيخ العقيدة ونشر الدين.
يحكى لنا صاحب الأغانى أن ثالث خلفاء بنى العباس، وهو محمد المهدى كان يرفض الخلاف فى الرأى، ويرى كل مخالف له ملحداً. وكان أشهر ضحايا الرجل الشاعر الضرير بشار بن برد الذى تميز بحس إبداعى ساخر جر عليه ويلات الكثيرين. كانت اللعبة سهلة ومجربة، فببساطة يُمكن نسبة أقوال وأشعار بعينها لشخوص مستهدف إزاحتهم من الساحة، وكان بشار واحداً من هؤلاء.
وهكذا، فقد نسب أهل التصفيق والتحريض للشاعر الضرير أشعاراً منفلتة كان من بينها «الأرض مظلمة والنار مشرقةٌ/ والنار معبودة مذ كانت النارُ». وادعوا على الشاعر أنه مجوسى يعبد النار. لكن الخليفة المهدى استعظم أن يؤذى ضريراً، فتباطأ فى التحقيق معه، فلف أهل التحريض حوله، ودفعوا أحد وزرائه ليُخبره بأن الشاعر الزنديق لم يكتفِ بزندقته وخروجه من الملة، وإنما هجا أمير المؤمنين أيضا ونال من عرضه.
وهكذا أحضر المهدى بشاراً، وأمر حراسه بأن يضربوه بالسياط، فضربوه سبعين سوطاً وكان يقول مع كل ضربة «حِس» غير أن أهل الشر من الحاشية استغلوا ذلك وقالوا للخليفة « انظر إنه لا يذكر الله ويقول « حس»»، فردّ بشار عليهم ساخراً «أطعامٌ هو فأسمى عليه»، فواصلوا الضرب حتى ظهر على وجهه الموت، فألقى فى سفينة حتى الصباح حتى مات.
وقتل الخليفة المهدى شاعراً آخر هو صالح بن عبد القدوس بذات التهمة بعد أن وشى به بعض المحرضين لإزاحته من الساحة، وأمر الخليفة بصلبه عدة أيام تحت شعار أن كل زنديق مستباح.
لكن يبقى أبشع ما فعله الخليفة المهدى فى هذا الصدد هو تصديقه لتحريض وزيره الربيع ضد ابن وزيره الآخر عبيد الله حين أراد الانفراد بأمر الخليفة وإشعال قلبه تجاه منافسه. يذكر الشيخ محمد الخضرى فى كتابه عن الدولة العباسية أن الربيع أخبر المهدى بأن لعبيد الله ابناً زنديقاً، فطلب الخليفة إحضاره وأمره بأن يقرأ القرآن، وأخطأ الابن وهو يقرأ واستصعب ذلك، فنظر الخليفة لأبى عبيد الله وقال له : ألم تخبرنى بأن ابنك هذا جامع للقرآن؟ ورد الوزير بأنه كان كذلك لكنه فارقه منذ سنين ونسى القرآن. فقال المهدى آمراً وزيره : قُم وتقرّب إلى الله بدمه. وحاول الرجل القيام، فتعثرت خطاه وسقط ولم يجرؤ أن يقتل ابنه، فطلب أن يعفيه، فوافق الخليفة وأمر سيافه بأن يقطع رقبة الابن، ففعل. وهكذا سقط رأس ابن الوزير لأنه لم ينجح فى اختبار قراءة القرآن، وظن الخليفة المهدى بأنه ممن يُحسنون صنعاً.
وبعد ذلك ظل السلاطين تلو السلاطين لا يكتفون بتصنيف مؤيديهم ومعارضيهم، وإنما بتصنيف «بتوع ربنا»، وأعداء الله، فابتلى العالم العربى بقرون من الطغيان ساد فيها الخوف، وذاع التدين الظاهرى الشكلى المُرائى لعيون الناس، فكثرت المساجد وقل المصلون، وطالت اللُحى، وقصرت الهمم، وانتشرت المسابح، وفتر الإيمان.
وتبلدت الشعوب العربية فى التخلف والمذلة وصارت لقمة سائغة للاستعمار عقوداً طويلة.
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض