لا تحتاج إلى عين الخبراء، أو تجارب الباحثين وأدوات العلماء كى تلاحظ أن مقاييس النجاح هذه الأيام قد اختلفت –قليلًا أو كثيراً– عن الماضى البعيد والقريب، وأن قواعد الصعود وتصدر المشهد على درجات النجاح، أصبحت بعيدة عن نصائح وتعاليم خبراء الموارد البشرية ونظريات أساتذة علم النفس والاجتماع.
أحد أهم هذه الأساليب المختلفة هو فن «الانحناء وطأطأة الرأس »، وهو فن ليس بالهين تعلمه، ولا من السهولة إتقانه –«كان غيرك أشطر»–، فهناك طوابير من الباحثين عن فرص الصعود بسرعة الصاروخ، ممن لا يريدون كَدًا ولا يملكون علماً، وتحتاج عملية التكيف والبقاء فى هذه الطوابير إلى شخصيات انتهازية وصولية غير تقليدية فريدة من نوعها.. ورغم احتقارى لهذا الفن ومن يمارسه، أقدم لك عدداً من الملاحظات الشخصية التى قد تفيدك إذا أردت أن تسلك هذا الطريق البغيض.. وأنت وحظك!!
بداية يا عزيزى عليك أن تعرف أن هذا الفن قد اختلف كثيرًا عن «المطيباتى» الذى كان يسير فى الجنازات بملابسه الأنيقة حاملًا المباخر أمام النعوش، وصار هذا الفن كذلك بعيدًا كل البعد عن «المطيباتية» فى دكاكين «المزيكاتية والعوالم» قديمًا من فئة المتعهدين بإحضار الزبائن، والمسئول عن استمرار آهات المعجبين من الجمهور- الزبائن– طوال غناء «العالمة» ليلة الفرح.
عليك أن تعى أن هذا الفن قد تطور كثيرًا عن مهنة الكهنة ورؤساء حملة المباخر أمام «آمون» فى مصر القديمة، وعليك أن تعى أيضًا أنه أصبح يتعدى معنى التطيب ذاته فى اللغة، بأن تقول لولى نعمتك: طيب فى كل مناسبة، فيلقبك الناس بـ«المطيباتى» وجمعها– لأن هناك الكثير منهم– «المطيباتية».
إذا أردت أن تدخل معترك هذا الفن، فعليك بضرب كل نظريات النجاح التقليدية عرض الحائط، فـ«فن الإنحناء وطأطأة الرؤوس» لا يحتاج إلى فلسفة الكتب والإجتهاد والمثابرة والإيمان، وتجديد الروح والعمل المستمر، إن مفتاح النجاح لهذه الفئة يكمن فى كيفية التلون بألوان الشجر الذى تريد تسلقه والتطابق مع أوراقه وغصونه، وكيف يمكنك أن تغير لونك بلون الصخرة التى تريد أن تتوارى خلفها وتحتمى بها، إنها مسألة ليست بالهينة على كل حال!!
عليك أن تترك ضميرك على أقرب رصيف، وإن استطعت قتله ثم دفنه فعليك ذلك، لأن فن «الانحناء وطأطأة الرأس» قد يجعلك مشاركًا فى أذى الكثير من الناس، أو يدفعك للمرورعلى جثث الموتى وأنت تعزف بقلبك – إن كان موجوداً– سيمفونية من الضحكات الباردة والساخنة والقاتلة أحياناً!!
عليك أن تحفظ عن ظهر قلب أن أولى القواعد التى يجب تعلمها للدخول فى هذه المنافسة الشرسة، أنه لا مكان للإيمان بالمبادئ والقيم الإنسانية، فالدافع الحقيقى للعمل هو المصلحة الشخصية والشخصية فقط، هذا مبدأ هام لا تنساه أثناء المعركة
المجاملات الرقيقة ليس لها مكان ولن تنفع، فالرقيق فقط هم الأولى والأبقى والأسرع فى هذا السباق، فالعبدلا يهمه سوى رضاء سيده، لذلك يمكنك ضبط مؤشر النسيان وفقدان الذاكرة عند نقطة الكرامة!!
لا تفكر فعقلك الآن يتبع خاصية التعطيل الذاتى، وعملك الوحيد هو هز الرأس والإنحناء وأحيانا «مطيباتى»، واجعل أغنية سيد درويش: «عشان ما نعلى ونعلى ونعلى.. لازم نطاطى نطاطى نطاطى » شعارك الأبدى، الذى لا يفارق ظلك أثناء وقوفك فى الطابور.
أخيراً.. إذا قدر لك يومًا واستطعت إتقان فن «الانحناء وطأطأة الرأس» وتقدمت الطابور السابق، فاعلم أنك قد بعت نفسك بأرخص الأثمان، وستظل جائعًا وإن تناولت أشهى الطعام، وستكون عاريًا وإن ارتديت أفخم الثياب.
فى النهاية.. يجب أن ينتهى هذا الفن من حياتنا، ويحل محله العلم وأهله.. أو هكذا يجب أن يكون إذا أردنا أن نحجز لنا مكانًا يليق بنا بين الأمم فى المستقبل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض