أقدس وأنبل ما تملكه البشرية قد نزف دمًا حتى الموت تحت صليل سيوفنا لقد قتلنا الاله!! من سيمسح عنا هذا العار؟ أين هذا الماء الذى يستطيع تطهيرنا من كل هذا الدنس, كيف سنرتاح من عذبات هذه الفعلة الشنيعة، ليس هناك مخرج سوى ان نصبح آلهة لنبدو مستحقين لذلك؟ بهذه العبارة الصادمة عرض الفيلسوف الألمانى فردريك نيتشه بعض العواقب والآثار الناتجة عن عصر التنوير التى عاثت أفكاره الجامحة فسادًا فى المجتمع الغربى وحلت محل عقيدة الخالق، فقد انتصرت شهوانية العقلانية العلمية على هيبة الوحى المقدس وتساقطت الوصايا العشر كأوراق الخريف الواحدة تلو الاخرى، وشاع طغيان الفلسفة المادية التى استغنت عن حكمة القدير وتولت الليبرالية المتطرفة تدبير شؤون العالم بتنميط سلوك الناس على النفعية المادية. لاسيما بعد الزلزال الفكرى الذى أحدثته نظرية تشارلز داروين (الانتخاب الطبيعي) والتى شكلت تحولًا جذريًا فى مفهوم الأخلاق والفضيلة عند فلاسفة الغرب الذين روجوا لارتقاء وتفوق الجنس الأبيض الآرى على بقية الأجناس الأخرى، والذى اتخذه الاستعمار الغربى ذريعة للاستحواذ على ثروات الشعوب المستضعفة بحجة أنها جاهلة ومتخلفة.
ففى عالم ما بعد الحرب الباردة وسقوط حائط برلين توارت الصراعات الأيديولوجية والاقتصادية وفرض الصدام الثقافى والحضارى نفسه على العالم الجديد، فبعد قرن من النفاق العاطفى اكتشفنا اننا لم نكره بقوة لن نحب بقوة، فالصراعات الثقافية تتزايد وهى الآن أفدح مما كانت عليه فى أى وقت سابق ويقينًا ان الصراعات المستقبلية سوف تشعلها عوامل ثقافية بحجة نهاية التاريخ الذى رسا على شواطئ الرأسمالية الغربية. وأخطر تلك الصراعات التى تقع على طول خطوط التقسيم الحضارى بين شعوب المسيحية الغربية من ناحية والشعوب الإسلامية والارثوذكسية من ناحية أخرى، فالمجتمعات التى اتحدت عن طريق الايدولوجيا أو الظروف التاريخية ظلت منقسمة بسبب الفروق الثقافية لذا فقد تفتت مع مرور الوقت كما حدث للاتحاد السوفيتى ويوغسلافيا والشعوب التى كانت تفصل بينها الايدولوجيا جمعتها الثقافة وقربت بينها كما فعلت الألمانيتان والكوريتان.
لاشك ان الغرب يعانى من متلازمة الاستعلاء الممنهج نتيجة الانتصارات العسكرية والتفوق التكنولوجى ويظهر ذلك دائمًا فى الادعاء الكاذب بالتفوق القيمى والحضارى واعطاء الأخرين دروس سقيمة فى حقوق الانسان وممارسة غطرسة مقيتة لفرض نمط حياتهم على بقية العالم، فالملابسات التى واكبت تنظيم كاس العالم فى قطر هى أهم صدام ثقافى وحضارى يشهد العالم الآن.
لقد حاول الغرب أستغلال شعبية كرة القدم وإخضاعها لساحة النزال وسقطت كل دعايات الديمقراطية والحرية الزائفة، وتأكد للجميع أن هذه المناسبات العالمية ما هى إلا جزء من منظومة الصراع الحضارى الذى يخوضه الغرب ضد الحضارة الشرقية بكل تنوعاتها للترويج لثقافته ونمطه الاجتماعى وفرضه على الآخرين ولكن تمسك قطر فى موقفها المشهود إلى قانون المعاهدات «VCLT» وهى اتفاقية حفظت السيادة لكل دولة، فكون الدولة المستضيفة دولة مسلمة والكحول والمثلية أمران يخالفان أحكام الشريعة الإسلامية فلها الحق فى اتخاذ القرار الذى يتناسب مع قيمها وأخلاقياتها بقوة اتفاقية فيينا. مما أدى إلى انقلاب السحر على الساحر الذى كسرت انفه، ولم يجد سبيلًا إلى فرض اجندته الثقافية وبخاصة معضلة تسويق المثلية الجنسية على انها حق طبيعى من حقوق الانسان وهو ما يتنافى مع الفطرة الإنسانية وهو ما اتفقت عليه العديد من الأمم المختلفة لقد خلق الله الآنسان، والإنسان صنع الغباء بسبب غروره.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض