القرارات من فوق والصيدليات تحت وعلى الأرض والواقع مر، ولا مجال لتجاهل المشاكل والسلبيات التى سنعانى منها جميعا، بسبب منع -ضرب الحقن- فى الصيدليات للناس جميعا.
افهم أن نضع شروطا وقواعد لضمان توافر الأمان للمريض والصيدلى، أو حتى للشخص الذى سيضرب الحقنة، ولكن المنع نفسه ليس حلا، بالعكس سيضع الجميع فى مشكلة وسيخلق عقبات وأعباء لا قبل للمريض بها.
أن تمنع الصيدليات من إعطاء حقن لمريض يحتاج علاجا وتشترط عليه أخذها فى مستشفى عام أو خاص، فتلك مشكلة وعبء مالى ودوخة لا يحس بها إلا من جرب وداخ السبع دوخات للبحث عن مستشفى وممرض أو طبيب يعطى له الإبرة! وهذا ليس ضربا من خيال وإذا كنت لا تتصور المعاناة فما عليك سوى التجربة - وربنا ما يكتبها عليك - ستجد أقرب مستشفى بعيدا عليك، بافتراض أنك ابن مدينة ولا تقيم فى قرية بعيدة ليس فيها حتى وحدة صحية، ولاسيما فى ساعات الليل البهيم! وسترى بنفسك أنك كنت فى نعمة تحسد عليها وأن الصيدلى الذى كان يعطى لك الحقنة فى منتهى السهولة والبساطة واليسر وبلا مقابل فى معظم الحالات، كان رحمة مهداة!
ستجد أن بعض المستشفيات غير مرحب بك وليس مستعدا لتقديم الخدمة، وأخرى تشترط الكشف عليك وتكتب لك الدواء بنفسها، وثالثة تحصل على مقابل يزيد على ثمن العلاج نفسه.
نعم حدث تجاوز وتقاعس وإهمال من بعض الصيدليات ونحن ندينها، وهى حالات تعد على صوابع اليد، ولكن حدث نفس الأمر وبنفس التفاصيل فى بعض المستشفيات،
والحل ليس فى منع الصيدليات من «ضرب الحقن» للناس، ولكن بوضع شروط وآليات تضمن عدم حدوث سلبيات.
ان محاكمة صيدلانية وممرضة أمام الجنايات وحبسهما على ذمة التحقيق يجعلنى أتراجع فورا وأتحسس قلبى، لو كنت صيدليا، وسأخشى حتى من بيع الأسبرين بدون تذكرة طبية، هذا فعلا هو الصح والمفروض، ولكنه حل وفكر ومنطق، لا يناسب واقعنا ولا ثقافتنا ولا حتى جشع واستغلال معظم الأطباء وتردى حال المستشفيات، فكم مريض لفظ أنفاسه وهو فى العمليات! وكم روح صعدت لبارئها بسبب حقنة بنج وعملية لوز ولحمية؟ ومع ذلك لم يسجن أى طبيب! لسبب بسيط ومقنع لى شخصيا ومفاده أنه لا يوجد طبيب يريد الضرر لمريض، وكل الأطباء يتمنون النجاح والشفاء لمرضاهم، ولكن الأخطاء واردة، ورد فعل الأجساد مختلف من مريض لآخر، وهذا معلوم بالضرورة وتتعرض لها المستشفيات كما تتعرض لها الصيدليات.
أنا هنا أدافع عن مصلحة المجتمع الذى يتعامل مع الصيدلى باعتباره طبيب الأسرة، فى معظم المسائل البسيطة كالبرد والالتهابات والكحة وحتى كورونا، كانوا جنودها المجهولين.
قياس السكر والضغط وضرب الحقن وغيرها، تقدمها الصيدليات كخدمة عامة ومعظمها مجانية أو بأجر رمزى، ولا يوجد صيدلى ولا حتى ممرض فيها يريد أذى لمريض طفلا كان أو عجوزا!
المنع هكذا بقرار فوقى ليس هو الحل.. لو كان فعلا حلا، فهو لا يناسبنا بأى حال! ولكن الترخيص بالحقن واشتراط وجود طبيب صيدلى أو ممرض مدرب لذلك فيه الحل المناسب للجميع، ولا يوجد صيدلى ليس مدربا ودارسا وخبيرا فى الحقنة!
نحن نعرف واقعنا وظروفنا وبالتالى علينا التعامل مع مشاكلنا وفق ذلك الواقع، ولا نتعالى على الناس بما يصعب عليهم حياتهم ويفرض عليهم أعباء لا قبل لهم بها، وكلنا يعانى من المغالاة فى الكشف، وسيان هنا العيادات الخاصة والخارجية بالمستشفيات الجامعية والحكومية، أبو بلاش خلاص خلص.
أتمنى على وزير الصحة مراجعة قرار منع ضرب الحقن بالصيدليات ووضع شروط تضمن للمريض الأمان وتحقق له الخدمة التى كان يتمتع بها قبل المنع، فهذا هو الحل الذى يوافق واقعنا،، ويا مسهل.