رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

هذا مقال فى التاريخ السياسى لا فى الأدب، رغم أن مدخله هو نص أدبى جذاب صدر مؤخرا عن دار الشروق كرواية تحمل عنوان «قبل النكسة بيوم» للطبيب والروائى الجميل إيمان يحيي، صاحب الرواية الفذة «المرأة المكسيكية» والتى وصلت إلى القائمة الطويلة للبوكر فى 2019.

تتناول الرواية جانبا من حكاية التهام نظام يوليو لمؤيديه والمبشرين به فى سابقة نادرة فى التاريخ الحديث. ذلك لأن الطبيعى والمنطقى أن يلتهم كل نظام خصومه، لكن غير الطبيعى أن يلتهم أبناءه، والمؤمنين به.

لقد ولد التنظيم الطليعى كحائط صد للدفاع عن نظام عبد الناصر، تحت لافتة حماية ثورة يوليو ومكتسباتها. وتمثلت فكرة جمال عبد الناصر فى اختياره لبعض الأشخاص من ذوى الثقة، على رأسهم على صبري، سامى شرف، وأحمد فؤاد، ومحمد حسنين هيكل، على أن يقوم كل شخص منهم باختيار عشرة أشخاص آخرين سريين، لا يعرفهم سواه، ويقوم كل واحد من العشرة باختيار عشرة تاليين يكون مسئولا عنهم، وتتوالى الاختيارات بما يشبه التنظيمات الشيوعية.

وتكون مهمة كل عضو فى التنظيم أن يكون عينا على مَن حوله دون أن يعرفه أحد فى سبيل حماية الثورة والحفاظ على مبادئها. فى الوقت ذاته، فإن هؤلاء الأعضاء السريين يتم تصعيدهم فى كافة الدوائر المهنية ليتولوا القيادة لاحقا.

ولاشك أن هذا التنظيم صار هدفا لمعظم الشباب من ذوى الطاقات للترقى والتحقق بحسن نية وبسوء نية، لذا فقد اجتذب شبابا كثيرا فور تأسيسه.

وتقدم رواية إيمان يحيى حكاية واقعية لمجموعة من الشباب المؤمن بالاشتراكية والذى كان جزءا من حركة القوميين العرب، ثم انضموا إلى تنظيم عبد الناصرالطليعى باعتباره تنظيما مصريا يحمل الأهداف الاشتراكية ذاتها، وهو الأولى باحتضانهم. غير أن اعتماد التنظيم كله على التقارير السرية وما تحمله من تشكيك وتحريض متبادل بين الأعضاء أدى إلى اتهام الشباب القومى بمحاولة اختطاف التنظيم المصري، ولفقت لهم قضية وتم القبض عليهم، وتعرضوا لأبشع أنواع التعذيب والقمع لينقلبوا فى يوم وليلة من أبناء وأنصار الثورة إلى خصومها وأعدائها.

وكان من المؤسف ما ذكره أحمد كامل مدير المخابرات المصرية الأسبق فى مذكراته التى دونها الكاتب النابه أحمد عز الدين، إذ يقول «إن هؤلاء الشباب الأعضاء فى التنظيم الطليعي، تم معاملتهم بشكل بالغ السوء، ورغم أن بعضهم قام سامى شرف بتجنيده، إلا أنه لم يتحرك للدفاع عنهم، واحتجزتهم أجهزة الأمن فى مبنى الاتحاد الاشتراكي. وجاء إليهم حسين كامل بهاء الدين، أمين تنظيم الشباب وقتها، (وزير التعليم فيما بعد)، وشارك فى صفعهم بالأقلام على وجوههم، ثُم فصلوا جميعا من منظمة الشباب.»

ويضيف أحمد كامل قائلا «ولقد كان هذا الحادث سببا فى ترك الشباب المؤمن الملتزم للتنظيم واختياره إما الإنزواء بعيدا عن العمل العام، أو الهجرة إلى الخارج طلبًا لمخرج.»

وهكذا انسحق فصيل مهم من الشباب المؤيد لنظام يوليو والمؤمن بمبادئها، وانهارت أحلامهم فى عدالة مثالية كانوا يحلمون بها، عندما رأوا الأفاقين والخطباء والمحرضين يصعدون ويتسع نفوذهم، ويثرون وهم يكررون شعارات العدالة والمساواة فى آلية جوفاء.

تلك حكاية مهمة فى تاريخنا، ذكرنا بها روائى موهوب يمتلك أدواته ويُحسن اختيار لقطات سرده.

والله أعلم.

[email protected]