رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

 

 

ما نفع الابداع إن لم يغيرنا، يُرققنا، يفتح فى نفوسنا نوافذ الرحمة والحب، يدفعنا للتسامح وللتآخى وتحقيق مُراد الله فى الأرض، بأن نتعارف ونتآلف ونُعمّر ونُطور ونبنى الخيرات والخيرات؟

ما قيمة الكلمات الحسناء إن لم يمتد هذا الحُسن إلى السلوك، فنرى المجيدين بيانا، طيبين خُلقا، يألفون ويؤلفون، ويؤسسون لممالك من المجد القائم على الذوق واللطف والتسامح مع الغير؟

لقد كتبت الكاتبة صافيناز كاظم تعليقا على وفاة الروائى الكبير بهاء طاهر تقول فيها «كان أحد كوابيس جيلى، لو جاملناه نقول: روائى متوسط القيمة، استحل لنفسه جوائز كثيرة مغتصبة ممن كانوا أحق..».

وربما لم أكن ألتفت لشطحات الكاتبة التى أحببت قلمها يوم ما، لو أنها صدرت فى غير ميعاد. فليس طيبا أن نُجابه الموت بهذا السلوك الشامت، الشاذ، الناشز، والخاوى من أى رجمة أو عبرة. فالموت موت، غياب تام، انقطاع عمل وأمل، ورحيل إلى ضفاف بعيدة بلافتة عريضة عنوانها: انتهاء المعارك، وانتفاء الصراعات، وسقوط كافة حساسيات البشر تجاه البشر.

لكن ورود الشهادة النشاز من كاتبة المفترض أنها كبيرة سنا ومقاما يضعنا أمام مسئولية إنسانية أولا، ثم ثقافية ثانيا، لنرُد بأن رأى الناقدة المتأقطبة ( نسبة إلى محبتها الطاغية لسيد قطب) مناقض للواقع تماما، فبهاء طاهر كان مبدعا عظيم القيمة، حفر فى نفوسنا سحرا وجمالا، وترك بصمات خالدة لا يُمكن أن يُنكرها إلا حاسد. أستعيد شخصية حربى فى رواية «خالتى صفية والدير» لأتخيل مجتمع الصعيد بقيمه ومبادئه الأخلاقية الرفيعة. أُعيد قراءة « قالت ضُحى» لأتعلم كيف تتمايز الشخصيات وتتصارع فى إنسانية مُدهشة وبلغة عذبة سلسة. أتنسم رحيق تاريخ مقاومة الاحتلال الإنجليزى وأنا أتنقل بين صفحات «واحة الغروب».

أتساءل بصدق: كيف استحل الرجل جوائز كان هناك مَن هُم أحق بها؟ إن هذا قول مُرسل يُمكن لأى حاقد أن يُدلى به، فليست هناك قواعد محددة للجوائز الثقافية فى العالم كله لنحتكم إليها. وحسبنا أن نتذكر أن فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل فى الآداب قد دفع بعض الحساد إلى وصم الجائزة بالتسييس وتجاهل قيمة الابداع لدى عملاق الرواية، كما أن بهاء طاهر على وجه التحديد، عُرف بزهده وتواضعه واستقلاله وترفعه عن السعى لنيل أى مغنم. ويكفى أنه تبرع بقيمة جائزة البوكر العربية لتحفيز شباب المبدعين فى العالم العربى.

تُذكرنا الشاهدة بمثقفين كُثر، يستحقون شفقتنا، آمنوا بذواتهم كأنهم الحق المطلق، والجمال الوحيد. سكنتهم الآحادية فحولوا كل مخالفيهم فى الرأى والمنهج إلى تافهين، محدودى القيمة، ورأوا منافسيهم أشرارا وفجارا. لم ينظر أحدهم إلى ما ترك من بصمات، أفكار، نصوص تعيش أكثر مما عاشوا. لم يهتموا بغرس الجمال هُنا وهناك، ولم يستغلوا رحلتهم على الأرض فى نثر الياسمين الإبداعى بين البشر. تقوقعوا فى أزمنة مضت، وتكوموا فى أوهام انقضت، وانشغلوا بحروبهم العبثية مع كل شىء وأى شىء بلا هدف.

تتكرر الشطحات من الناقدة المشوشة فتنبهنا بثقة بأن صوت المطربة شادية قبيح، وأنها أراحتنا عندما اعتزلت، وتصف عبدالرحمن الأبنودى، ونوال السعداوى بأنهم نصابون، وأن رجاء النقاش وصل لمكانة لا يستحقها، وغيرها من ترهات.

يُعلمنا الشاعر الجميل كافكا الدرس مبكرا فيقول «إننا نكتب لننأى بأنفسنا عن معسكر القتلة» فما غاية الكتابة إن لم نخاصم القبح، وننحاز لما ينفع الناس.

لذا سأقاطع كل مبدع يُحرض على عنف، يبث كراهية، يشمت فى موت، يلعن ويسب ويطعن فى الآخرين.

والله أعلم

 

[email protected]