أوراق مسافرة
لا أعرف على وجه الدقة، ولكن مؤكد أن الأطباء النفسيين يعرفون سر الانتفاخ النفسى، والتحول الفسيولوجى الذى يعترى شخصا ما اعتلى فجأة أو غير فجأة احد كراسى المناصب، أو وصل إلى درجة وظيفية تلتصق بها كلمة مدير، رئيس، أو وزير، والانتفاخ النفسى يتمثل فى حالة تصل إلى حد الهلوسة من الغرور والتعالى ينثرهم على «مخاليق ربنا» من أصحاب الحاجات والحقوق، أو ممن اصبحوا تحت قيادته الوظيفية، بجانب موسوعة من العلم تهبط على «دماغه» فجأة مع الترقى الوظيفى، ليصبح وحده «الفاهم» العالم ببواطن الأمور وأسرار وخفايا العمل بل وكل العالم، ولا يمكن بأى حال من الأحوال أن يقبل أن يراجعه احد، أو يصحح له شخص آخر أى معلومة، يضاف إلى هذا الانتفاخ النفسى حالة من الوسواس بأن كل من حوله يتآمرون عليه ويحاولون انتزاع الكرسى منه، فينعكس الوسواس لرغبة انتقامية خفية يدفع ثمنها المواطنون، وينتفع بها المنافقون الذين يلتفون حوله ويصنعون له بطانة السوء.
أما التحول الفسيولوجى الذى يعتريه، فهو تمدد فى طول الرقبة لتتناسب مع حالة الغرور، مع جمود فى حركة العين التى تتقمص ثلاث نظرات محددة، هى النظرة النارية الحادة، النظرة المتعالية، والنظرة الساخرة، بجانب التشنج فى عضلات الوجه لتبرز معها فى سخاء العضلات الخاصة بـ«التكشيرة» وتتوارى معها عضلات الابتسام، وتتخذ الأكتاف شكلا مستعرضًا تدعمه «باليتات أو حشو» أكتاف جاكت البدلة، والتى لن يتخلى عنها صيفًا وشتاءً لأنها إحدى لوازم التحول، وحبذا لو تم تتويج التحول الفسيولوجى بـ«كرش»، لأنه يعطى الشكل المطلوب لشخص اصبح مسئولا مهما، فهو يضفى عليه هيبة وحضورا، فالمسئول النحيل يختلف عن السمين البدين ذى الأكتاف العريضة والكرش.
ما أقوله ليس تنمراً، ولا سخرية من عباد الله، بل توصيف دقيق لما نراه فى مجتمعنا منذ عقود، وهو ما لم يتغير بل يزداد سوءًا إلى سوء، فكما توجد قلة -من المسئولين- محترمون وقمة فى التواضع والتعاون مع المواطنين، لإدراكهم انهم موجودون فى أماكنهم لخدمة المواطن ومن ثم خدمة الوطن، للأسف توجد أغلبية ممن يجلسون على كراسى المسئولية، بعد أن كانوا موظفين صغارا، وأصبحت لهم مكاتبهم المختصة بهم، وألقابهم «المركبة»، هؤلاء يتقمصهم اعتقاد غريب بأنهم يجلسون على كراسى «عزبة» اشتراها لهم السيد الوالد، يديرون أمورها كما يحلو لهم، ووفقا لسياسة خاصة بهم تحددها أهواؤهم، بعيدًا عن القانون، اللوائح، أو حتى الضمير الإنسانى.
هؤلاء على وجه التحديد بما أصابهم من انتفاخ نفسى وتحول فسيولوجى، هم السبب الحقيقى فى انتشار عرف «الواسطة»، لأنهم لا يسمحون أبدًا بقضاء حوائج المواطنين بصورة عادية، بل يجدون إشباعًا لعقدة الأنا المتضخمة لديهم فى تعقيد المصالح والخدمات لعباد الله، تتغذى أحبال أعصابهم «السيكوباتية» على ذل الأيادى الممتدة اليهم بالتضرع والرجاء، تنتفخ أوداج نفسيتهم ارتياحًا حين يدخل احدهم اليهم حاملا كارت وساطة من مسئول ما، أو إعلامى مشهور أو صحفى له صيته، فيتمدد كرشه، ويطيح بظهره على الكرسى الجلدى الوثير ليستمتع بشعوره بأهمية نفسه، وقد تكون هذه الخدمة حقا أصيلا للمواطن فشل فى نيلها بالطرق المشروعة، فبحث له عن واسطة ليحصل عليها، والأسوأ أن تكون الخدمة أو المصلحة ليست من حق المواطن، واقتنصها من حق غيره بالوساطة.
«الواساطة» أو الوسطة، هى رأس أفعى الفساد التى تغرس أنيابها وتنفث سمها فى بدن مجتمعنا المصرى، واقسم إنه لو اصبح لدينا وسيلة إلكترونية يسجل بها المواطنون حالات الوساطة التى لجأوا إليها للحصول على حق من حقوقهم، سنصاب جميعًا بالصاعقة من النتائج، وفى المقابل الإيجابى، ستكون لدينا قاعدة البيانات تحدد المصالح والمؤسسات والمسئولين الذين لا يؤدون واجبات عملهم إلا بالواسطة...، وللحديث بقية