خارج السطر
تتلون الوجوه، وتتبدل المقاعد من حولنا، وترفع الحياة البعض، وتهبط بآخرين فى حراك إلهى بديع يُسير الجميع، ويدفعنا أن نفكر بعمق وصوفية فى غايات البشر، ومهامهم على الأرض.
ويبدو المبدع حائرا بين أن يقول ما يريد قوله بالفعل، وما يريد الآخرون له أن يقوله، وتنتابه لحظات تذبذب، واتياب وهو يمد خطوة وينسحب بأخرى خوفا من أى تأويل لإبداعاته التى قد لا تقصد سوى الإبداع.
ففى النهاية تبقى الكلمة أعظم من أن توظف لخدمة توجه ما أو دعم سياسة بعينها، وليس صحيحا أن الإبداع وسيلة ضغط أو ترويج لخطاب بعينه. وتحضرنى واقعة الروائى الروسى العظيم بوريس باسترناك، مؤلف رواية «دكتور جيفاجو» الحائزة جائزة نوبل فى الآداب سنة 1958.
لقد احتفت الصحافة الروسية بالرواية فور إعلانه عن البدء فيها وأطنبت فى سحر لغته وعمق رؤاه، حتى كتب المحرر الأدبى لمجلة «نوفى مير» الروسية تعليقا على الحلقات الأولى المرسلة من الرواية بأنها تخدم أغراضا سياسية مضادة للاحاد السوفيتي. وكان المؤلف قد وقّع عقدا مع دار نشر سوفيتية، لم تلبث أن بعثت بالرواية لدور نشر أوروبية لترجمتها، لكن استجابة الدولة السوفيتية للتأويل الذى يعتبرها مسيئة للثورة البلشفية، دفع المؤلف نفسه إلى طلب استرداد الرواية وعدم نشرها، وكان الأوان قد فات. فنشرت دور النشر الأوروبية الرواية وفقا للاتفاق السابق وحققت صخبا وآثارت اهتماما واسعا ولم تلبث أن فازت بجائزة نوبل.
وكان الموجع أن راديو موسكو أذاع بعد 48 ساعة من نبأ الجائزة تعليقا بأن صاحب الرواية أديب ضعيف، وأن الجائزة هى إجراء سياسى موجه ضد الاتحاد السوفيتي. ثم لم تلبث هيئات ومؤسسات السوفييت أن أدانت الأديب واتهمته بالانحدار الخلقى والخيانة فى حق الشعب السوفيتي، ثم شطب اتحاد الكتاب عضويته، وأوقف مكافآته الشهرية، وطالب الحكومة بسحب جنسيته. ورغم قيام باسترناك بتوجيه خطاب مناشدة للرئيس الروسى خروشوف، بألا يسمح بمحاكمة الإبداع سياسيا ورغم إعلانه رسميا رفض الجائزة، إلا أن الدوائر الرسمية فى الاتحاد السوفيتى لم تغفر له قيامه بتقديم قصة معاناة إنسانية فى ظل الحكم البلشفي. ومات الرجل بسرطان الرئة سنة 1960 واقتصرت جنازته على عدد محدود من معارفه، لكن روايته حلقت فى الآفاق فترجمت إلى كافة اللغات، وقرأها الملايين، قبل أن يتم تحويلها إلى فيلم عالمى شارك ببطولته عمر الشريف. وفى عام 1987 ومع تخلخل الشيوعية نشرت الرواية داخل الاتحاد السوفيتي، وبقيت واحدة من أعظم الروايات بين مثقفى الأجيال الجديدة هناك.
فى مصر واقعة أخرى لافتة، ففى 24 مايو سنة 1960، وكما يحكى الكاتب الكبير محمد العزبي، جلس إحسان عبدالقدوس، ومصطفى أمين، وهيكل، وفتحى غانم ولفيف من كتاب مصر أمام الرئيس جمال عبدالناصر وهو يبرر تأميم الصحافة، وكان يتحدث بغضب شديد، وانتقد قصص إحسان، ورسومات حجازى حول الخيانة الزوجية، وقال إن مصر ليست نساء الجزيرة وإنما هى كفر البطيخ. ولم يكن أحد يعرف على وجه اليقين أين هى كفر البطيخ التى تحدث عنها الرئيس، لكن فى صباح اليوم التالى هرولت كافة الصحافة إلى القرية القريبة من دمياط لتكتب عنها وعن أهلها وحكاياتهم. أما الكاتب المسرحى الكبير سعد الدين وهبة، فقد طوّع الفن للسير فى الطريق ذاته، وسارع بكتابة مسرحية بعنوان «كفر البطيخ» لم تلبث أن استضافتها مسارح الدولة لسنوات وسنوات. ورغم ذلك ظلت المسرحية توصف بأنها أضعف أعمال الرجل الإبداعية. والآن لا يذكرها أحد.
فالفن الحقيقى ينتصر ولو بعد حين، والفن الموظف يتلاشى فور انقضاء وظيفته.
والله أعلم
mailto:[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض