رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

يعرف القاصى والدانى فى بلادنا أحمد حلمى، باعتباره موقف سيارات الأجرة الأشهر من القاهرة إلى مختلف الأقاليم، لكن قليلين من يعرفون أن هذا الاسم يخص صحفياً شهيراً عاش قبل مائة عام، وكان من أبرز ما تركه لنا كتاب «السجون المصرية فى عهد الاحتلال» والصادر سنة 1911.

ويمثل هذا الكتاب أهمية علمية للباحثين باعتباره أول شهادة دقيقة لنظم الحبس فى العالم العربى الحديث. ويتيح الكتاب جانباً إنسانياً عظيماً إذ يستفيض فى محاولة استقراء مشاعر المساجين تجاه فكرة تقييد الحرية نفسها، ومدى وعيهم وإدراكهم لحقوقهم، والتزاماتهم وفق القوانين، فضلاً عن قياس مدى تأثر الخارجين عن القانون بذلك العقاب، ومدى قدرته على ردع الإجرام.

وينقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء، يختص الأول منها بمشاعره وتصوراته بشأن الحبس وتقييد الحرية، ويتضمن مناجاته لله لفك حبسه، ويتناول الجزء الثانى تاريخ السجون فى العالم، بدءاً من الحضارات القديمة وصولاً إلى أوروبا الحديثة، ثم البلدان الشرقية، مع حديث عن السجون المصرية، ووصف لها وللنظم المطبقة فيه، ثم يختص الجزء الأخير بقضيته هو ومحاضر النيابة وردوده عليها.

وكما هو معتاد فى كتب ذلك الوقت، حملت الصفحة الأولى رسماً تصويرياً لشخص يتعرض للجلد على هيكل خشبى مربوط إليه، وتحته كتبت عبارة «هكذا يُجلد المسجونون إذا أذنبوا فى السجن، فليتعظ الذين يميلون للإجرام من محبى أكل المال الحرام»، مع إضافة عبارة «الطبعة الأولى 1911».

ويحلل المؤلف فى كتابه الدافع منه، موضحاً أن البلاد المتمدنة تزخر بشهادات المسئولين والساسة والوزراء عما رأوه وعاينوه من أمور بغرض نفع الناس بها، ومكرراً أن أفضل شهادة هى شهادة من رأى وعايش.

ويصف «حلمى» رحلة السجين فور دخوله محدداً البداية بعرضه على الإيراد، فإن كان مستجداً يتم وضعه بعنبر السوابق الصغيرة، والجرائم البسيطة، وإن كان معتاداً الإجرام يوضع فى عنبر المسجلين.

ويسلم السجين فور دخوله إلى حلاق السجن الذى يقوم بجز رأسه فلا يترك فيه شعرة واحدة، ثم يتم إدخاله الحمام للاغتسال، وبعد خروجه يأخذ ملابس السجن، وهى إما صفراء داكنة لمن يقل حبسهم عن سنة، أو زرقاء لمن يزيد حبسه عن سنة أو سوداء لأصحاب السوابق. ثم يتم بعد ذلك توقيع الكشف الطبى على السجين ووزنه بمعرفة طبيب.

ويحصل كل سجين على وجباته عبر كوة الزنزانة، وهى وجبة لا تتجاوز رغيف خبز وطبق فول فى الإفطار، ورغيف وإدام لا يعرف أحد ما هو فى الغداء، ثم فى العشاء رغيف وبعض البهارات «الدقة».

ويسمح للسجين بالتريض صباحاً، واستنشاق الهواء فى الحوش، كما يلزم كل سجين بالعمل فى مهنة من المهن، فالبعض يقوم بتصنيع السجاد، والبعض الآخر يعمل بتفصيل الملابس والبعض بالنجارة. وكان نصيب المؤلف تعلم مهنتى الحياكة وصناعة السجاد. والطريف أن كل مسجون يحصل على أجر مقابل عمله، فإذا أفرج عنه يمنح كامل أجره، وهو ما حدث مع «حلمى» عند الإفراج عنه بعد ستة عشر شهراً، إذ قدم له مأمور السجن مبلغ 498 مليماً كإجمالى أجور عمله.

وهذا المؤلف الشهير والمجهول فى آن واحد ولد فى فبراير سنة 1875 بالقاهرة، وبدأ حياته كاتباً فى دواوين الحكومة، ثم تعلم الفرنسية وعمل بالصحافة فى جريدة اسمها «السلام» كانت تصدر بالإسكندرية سنة 1900، ثم عمل فى جريدة «الهوانم» قبل أن ينتقل للعمل فى «اللواء».  وذاع صيته عندما سافر سنة 1906 إلى دنشواى لينقل مأساتها للعالم منتقدا المحاكمة الظالمة. ويبقى الرجل اسماً معروفاً فى تاريخ الصحافة حتى رحيله عن دنيانا فى 1936 تاركاً لنا هذا الكتاب المهم.

فترحموا عليه.

‏[email protected]