طلة
فور أن تحرك بنا الأتوبيس من الأقصر للقاهرة بدأ السائق فى تشغيل الشاشات لتسلية الركاب. طبعا الشركات لا تأخذ رأى الراكب فيما يحب أن يشاهده خلال سفر لن يقل عن عشر ساعات. المسألة تعتمد بشكل كبير على حظك كمسافر يجب أن تخضع لذوق السائق فيما يحب هو أن يسمع أو يعرضه عليك. وكذلك لا يوجد فى هذه الأتوبيسات أى تقنية تجعلك تمتنع عن المشاهدة أو على الأقل السماع، فالشاشات على عينك يا راكب والفرجة مفروضة عليك ولا مفر منها.
المهم أن سائقنا بدأ يعرض لنا على الشاشات مجموعة من الأفلام. وكعادتى يحلو لى أن أرصد مدى متابعة الركاب لما يعرض أمامهم. مع ملاحظة مهمة، أن الصوت والصورة فى أغلب الأحيان لا يساعدان كثيرا على المتابعة الجيدة. بشكل عام تكون نسبة المتابعة ضعيفة. البعض يفضل أن يقطع الطريق بالنوم أو محاولة النوم، القليل يظل منتبها، أولئك الذين لا ينامون أصلا فى فرشهم نوما هادئا هانئا فما بالك بالنوم فى الاتوبيس؟. والبعض الثالث يصحو حينا ويغفو أحياناً. والبعض ينجح فى قهر دوشة المعروض وصوت عجلات الأتوبيس على الأسفلت فلا يستيقظ إلا عندما يقف السائق فى إحدى الكافتيريات معلنا أن الاستراحة ربع ساعة وكل راكب مسئول فى حالة تأخره.
عند الفجر توقف السائق للمرة الأخيرة أمام كافتيريا صغيرة معلنا أن هذا التوقف مخصوص لمن يرغب تأدية صلاة الفجر حاضر. مؤكدا أن التوقف فقط عشر دقائق، فترة كافية من وجهة نظره لمن أراد أن يتوضأ ويصلى. أكبر الركاب فى سائقهم حرصه الشديد أن يمكن المصلين من الصلاة على وقتها. لذا التزم الجميع وتحرك الأتوبيس مرة أخيرة بعد الصلاة مع بزوغ فجر يوم جديد. وهنا كانت المفاجأة أن السائق بدأ تشغيل مجموعة من الفيديوهات عبارة عن رقصات ساخنة مبتذلة لراقصات يقف وراءهن مطربون يؤدون أغنياتهم. ضحكت بينى وبين نفسى وكذلك فعل كثير من الركاب متعجبين من أمر هذا السائق الذى حرص على صلاة الناس للفجر ثم قرر أن يعرض لهم فيديوهات راقصة فى ذلك الوقت المميز من اليوم. ربما لا يختلف مفهوم الرجل عن المفهوم السائد لدى كثير من الناس عن معنى ساعة وساعة، فبما أننا قد صلينا الفجر حاضرًا فليكن عاديًا أن نشاهد تلك الرقصات. كارثة لو كان السائق يظن بذلك أنه يكافئ المصلين!
الطريف أن كل الرجال فى الأتوبيس تقريبًا إلا قليلًا منهم قد استيقظ تمامًا واشرأبت الأعناق للتركيز مع تلك الفقرات الغنائية الراقصة. طبعا أتحدى لو كان أى مسافر ركز مع المطرب. ولولا أن يقال إنى قد جننت لقمت بعمل استفتاء فى الأتوبيس لمعرفة عدد من يعرفون المطرب أو ماذا كان يقول أصلا! وهو الأمر الذى يؤكد حقيقة واضحة، أنه يمكنك أن تروج لأى كلام تقوله لو قمت بعمل غلوشة على هذا الكلام وهو أسلوب يتبعه كثير منا ولا أبالغ لو قلت إنه أصبح أسلوب حياة. فكثير من الناس يروجون لبضائعهم سواء كانت معنوية، نظريات فى السياسة والاقتصاد مثلا وغيرها من القضايا وحتى البضائع المادية بتغليفها بغلاف براق يجذب الناس ويعجبون بالشكل وهم لا يدرون عن المضمون شيئا. وهو ما حدث فى الأتوبيس فلولا الراقصة لما اهتم أحد بهذا المطرب ولو كان هناك طريقة تقنية لمشاهدة الراقصة والنغمات دون سماع المطرب لفعلها كل من فى الاتوبيس دون تردد. يحدث ذلك بينما فى مجتمعات أخرى أكثر ذكاء استغنوا تماما عن المطرب وألبسوا الراقصة ثوب السياسى والاقتصادى والمفكر وكثيرًا من الأثواب! فيا كل مطرب من هؤلاء فى بلادنا، استغن عن تلك الراقصة التى تتمايل أمامك وتعال «ورينا شطارتك»!.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض