رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

طلة

منذ فترة ليست قصيرة سكنت مجموعة من الكلاب رصيف عمارتنا. أؤكد بداية أننى لست فى خصومة شخصية مع الكلاب. كما أننى لست من هواة تربيتها ولا اقتنائها لا بغرض الفشخرة حيث لا يوجد ما يستدعى الفشخرة ولا بغرض الحراسة، حيث لا يوجد ما يتطلب الحراسة. لذا علاقتى بالكلاب علاقة عادية. ألتقيها يومياً كل صباح كلما غادرت العمارة وعند عودتى مساء من العمل. تستطيع أن تصف علاقتنا فى الماضى القريب بالسلام البارد. نتبادل نظرات باهتة لا معنى فيها ولا حياة. ليست نظرات ود متبادل بقدر ما هى نظرات حذر متبادل, كل طرف منا لا يعرف قدر الطرف الآخر ولا حدوده ولا إمكانياته.

هكذا استمرت تلك العلاقة مستقرة سنوات طويلة. لم أبادر أنا مثلاً بوضع طعام لهذه الكلاب ولا شراب كما يفعل كثير من الجيران. ومقابل هذا لا تفرح الكلاب ولا تسرع تجاهى فرحة تتمسح فى قدمى وملابسى رافعة بذيولها لأعلى ثم تحركها يمنياً ويساراً كما يفعلون مع الذي يغدق عليها بكل ما لذ وطاب, ليس فقط من فضلات البيت بل ويشترون لها أطعمتهم الخاصة بها والتى أغرقت أرفف كبريات محلات السوبر ماركت. طبعا هؤلاء أولى بدلع الكلاب واحتفائهم وليس عندى أى مشكلة ولا غضاضة فى ذلك. نعم تنتابنى أحياناً بعض الغيرة والنفسنة, فنحن بشر, لكن هذا لا يعنى أن اتخلى عن مبدأى، فأنا لا أحب الكلاب ولا هى بالتأكيد تحبنى وبيننا اتفاق غير مكتوب بأن يتحاشى بعضنا البعض.

لكن وآه من لكن هذه, فإن دوام الحال من المحال. نقضت الكلاب العهد وبدأت تضايقنى كلما ذهبت أو عدت. تدرجت تلك المضايقات من همهمة خفيفة ثم زمجرة مكتومة, ثم محاولات احتكاك مزعج. من ناحيتى حاولت التماسك محافظاً على العهد, فإذا بالكلاب تزيد من مضايقاتها لى. يبدو أنها شبعت بعد جوع وملأت بطونها لدرجة أنها أصبحت بكروش، كنت أعرف عن الكلاب إخلاصها ووفائها بالعهود, لكن يبدو أن حتى تلك الصفات فى الكلاب قد تغيرت مع الوقت وأصبحت تتحلى ببعض صفات آدمية مذمومة.

لا أنكر أنى قد قضيت وقتاً طويلاً أشعر بالخوف من هذه الكلاب. ما الذى يضمن لى أنها لن تطاردنى حتى توقع بى على الأرض وتعقرنى. بدأت أتلصص وأتحسس وقت راحتها للمرور أمامها دون أن تشعر بى. لكن قرون استشعارها القوية كانت توقظها فى نفس لحظة مرورى فتتنادى فيما بينها لمطاردتى مما بدأ يشعرنى بالذعر الشديد. فكرت فى الانتقال لسكن آخر لكن هذا الفكر كان صرحاً من خيال فهوى. من ذا الذى يقوى على تغيير سكنه هذه الأيام وما الذى يضمن لو انتقلت لمكان آخر ألا أجد مثل هذه الكلاب، حيث سمعت أنها موجودة حاليا فى كل شارع فى مصر تقريباً, لذا استجمعت شجاعتى يوماً وتعاملت مع الكلاب بنظرية لا يفل الحديد إلا الحديد وخير وسيلة للدفاع الهجوم. أصبحت أستخدم أنا أيضاً قرون استشعارى وكلما هم كلب أو مجموعة منها بمهاجمتى لا أنتظر أن يبادرنى بل أقوم بإجراء استباقى وأطاردهم مستعيناً بعصا غليظة أحياناً والطوب والزلط أحياناً أخرى. وهنا كانت المفاجأة المدوية أن هذا النوع من كلاب الشوارع لا وزن ولا قيمة لها، حيث يفتقد أغلبها الصفات الطيبة المعروفة فى الكلاب. تربيتها فى الشوارع ومهاجمتها لكل عابر سبيل تجعلها تظن أنها امتلكت الدنيا وما فيها بينما لو أظهرت لها العين الحمراء ولو مرة تراها بعد ذلك تتحاشى مضايقتك وتفر من أمامك فرار الأرنب من الأسد.

خذها نصيحة منى, لا تقضِ عمرك كله خائفاً من الكلاب. كن شجاعاً فهي أجبن مما تتخيل. اتركها خلف ظهرك. ربما ستسمعها تنبح من جديد، لا تلتفت لنباحها وامضِ فى طريقك.

[email protected]