رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

لا تطور دون نقد، ولا نهضة دون استقراء للحال. يجب أن نعرف أين نقف كى نُحدد إلى أين ينبغى أن نسير. مَن نحن؟ وما هو حالنا الحقيقي؟ وكيف يرانا الآخرون؟ وهل نحن بالفعل الأفضل والأطيب والأكثر عبقرية وذكاء؟ وإذا كنا كذلك فلِم لا نعيش أفضل حياة؟

غاب صديقى فادى زويل عشرين عاما عن مصر، متنقلا بين عواصم العالم حيث يعمل فى مجال البرمجة والشبكات بكبرى الشركات العالمية، ثم هبط مصر ليستغرب ناسا كان يوما ما فردا منهم. استقل صديقى سيارة تاكسى وأدار كعادته حوارا مع السائق فاستفزه أن يقول له الرجل «كما تعرف فإن الطفل المصرى هو أذكى طفل فى العالم» فسأله فادى بتعجب «هل هو كذلك؟». ثم أخبره أن هناك ترتيبا عالميا لذكاء الأطفال يأخذ فى اعتباره جودة التعليم وعدد الحاصلين على نوبل، ومستوى التغذية، وأن بلدانا مثل السويد، اليابان، وسنغافورة هى التى تحتل المقدمة، وأن مصر ليست فى قائمة الـ25 دولة الأولى فى ذلك التصنيف، لكن السائق لم يكترث وربما اعتبر زبونه غير مطلع ولا يتابع الصحف والأخبار، فسكت.

وقال لى الصديق مثلما قال لى كثيرون غيره ممن اغتربوا عن مصر واندمجوا فى مجتمعات متطورة إنهم يشعرون بصعوبة شديدة ـ إن اتخذوا قرارا بالعودة لبلادهم ـ فى التأقلم مع الحال. فسلوكيات الناس غريبة، وتناقضات البشر ـ ونحن منهم ـ لافتة، وثمة تصور شائع بأننا أكثر الشعوب تدينا، رغم أن لدينا تصنيفا متقدما فى التحرش بالنساء. وثمة تصور أننا بشر «سوبر» قادرين على فعل المعجزات، رغم أننا متدهورون فى معظم المسابقات الرياضية والعلمية العالمية.

والملاحظ أيضا أننا نُحب الكلام، ونتكاسل عن الفعل. ننشغل بالتوافه وسفاسف الأمور على حساب الرؤى الجادة الرصينة. نُحمّر الوجوه ونُشمر السواعد غضبا لكلمة هنا أو هناك تمس عقائدنا أو تراثنا، ولا نغضب أننا لا نعمل بما تُحفزنا عليه العقيدة من إجادة للعمل وتفان وأمانة.

أدرك أن المصرى المعاصر مُحاصر بالفعل بهموم حياتية، وموجوع بشروخ اجتماعية، ومضطرب بضجيج مفتعل، لكنه يُقلد أباه وجده وجد جده ويكررهم فى رتابة واسترخاء. مازال الميرى محبوبا ومطلوبا، ولو بأدنى دخل، ومازالت كلمة الاستقرار حجر عثرة فى سبيل تطور الناس وتغيرهم.

يقول لى فادى زويل « إن الفارق بين المصرى والأمريكى هو عشق المغامرة. المصرى لا يحب التجربة ويرى أن ما يعرفه أفضل مما لا يعرفه، وغالبا يدفعه خوفه الدائم من الفشل ألا يغامر، ويظل سنوات عمره قابعا فى منطقة لا يغادرها حتى يكسر منتصف العمر، فيشعر بأن عليه أن ينتظر النهايات، بينما الأمريكى يعشق التجربة ويستعذب المحاولات تلو المحاولات، يجرب ثم يُجرب، ولا يرى أن نهاية الكون فى سقطة أو عثرة، وإنما هو درس حياتى يتعلم منه ويستفيد.

تُرسخ الأمثال الشعبية قيم السكون والخضوع والاستكانة فى نفوس الناس، فيتصورون أنه لا مجال لتغيير مسارات حياتهم بعد مرحلة عمرية ما فيكررون» من فات قديمه تاه»، وينفر الناس من التعلم وربما يتكبرون عليه ويقولون ساخرين ممن يحاول التعلم وهو كبير « بعد ما شاب ودوه الكُتاب»، وكأنها سبة أن يجلس رجل بشعر أبيض يتلقى درسا. ويخاف الناس من المغامرة والفشل من أى محاولة خارجة عن المألوف فيقولون «امشى سنة ولا تخطى آنا (قناة مياه)».

إن الخوف عدو لكل تنمية إنسانية، ومع ذلك، فإننا نُكرر فى استسهال عبارة « مَن خاف سلم»، لكن الرئيس الأمريكى فرانكلين روزفلت يقول لشعبه « إن أخوف ما أخاف عليكم هو الخوف نفسه».

والله أعلم.

[email protected]