رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

إذا كنت ممن يدعم سياسة روسيا، فمن المؤكد أن الفرح قد ملأ قلبك الكبير، وأنت ترى وتسمع أو تقرأ أن «بوتين» استشهد بآيات من القرآن الكريم، وحدثتك نفسك بأن «بوتين» وضع إحدى قدميه على طريق الهداية!!، وأنه منحة من السماء!!، أو قلت كما قال الرئيس الشيشانى «قديروف» إن «بوتين» رئيس يتقى الله، ونحن محظوظون، وقد أهدى «بوتين» من قبل أقدم نسخة خطية للقرآن فى موسكو إلى المرشد الإيرانى الأعلى.

أما إن كنت ممن يحبون سياسات الولايات المتحدة الأمريكية، فلن نتعب كثيراً، فقط سنكرر ما ذكرناه فى الفقرة السابقة، مع حذف كلمة «بوتين»، ووضع «بايدن» بدلًا منها، مع تغيير عدد من الجمل والعبارات والأخبار التى تشير إلى تقرُّب بايدن من المسلمين، على شاكلة: «بايدن يهنئ المسلمين برأس السنة الهجرية، ويهنئ المسلمين بحلول شهر رمضان مستشهدًا بآية قرآنية».. إلخ

ومن المؤكد أنك ازدادت فرحًا وسرورًا وتهليلًا وتكبيراً بعد إقامة صلاة التراويح فى رمضان الماضى فى ميدان «تايمز سكوير» فى نيويورك، فى مشهد هو الأول فى تاريخ أمريكا.. وقلت: لقد تم فتح نيويورك ودخلها الإسلام!!

- أما إن كنت من هواة التاريخ، ومعرفة الحقائق دون هوى، فأسرد إليك ثلاث روايات، ستعرف منها وحدك حقيقة الواقع دون عناء.

الأولى: أثناء الحملة الفرنسية على مصر«1798-1801»، يقول «هربرت فيشر» أستاذ التاريخ بجامعة شيفلد فى كتابه «نابليون»: « كان مركز الجيش الفرنسى فى وسط أمة إسلامية شديدة الاستمساك بدينها، لا تبعث بطبيعة الحال على الاطمئنان، رغم الانتصارات الأولية الحاسمة، التى أحرزها نابليون «أبو النار» كما كان يلقبه المصريون، أدرك نابليون ضرورة مجاراة الميول الدينية السائدة فى أمة اشتهرت بتعلقها بالأوهام، وذكر فى نفسه كيف أن زيارة الإسكندر الأكبر لمعبد آمون جعلته ابن «جوبتر» كبير الآلهة، وكيف نال الإسكندر بتلك الخطوة ما لم يكن ليناله لو كان تحت إمرته مائة وعشرون ألفًا من المقدونيين.

لذلك عزم نابليون على أن يقتفى أثر سلفه فى سياسته هذه، فكان يجلس فى الجامع الأزهر بين العلماء، حيث جرت العادة أن يجلس ستون عالمًا لشرح القوانين وتفسير كتاب الله، وبين هؤلاء القائمين على الدين كان يجلس نابليون جلسة الخاشع، يصف لهم فى وقار حالة نفسه الورعة الخاشعة، ويناقشهم فى معانى بعض المسائل الواردة فى كتاب الله، ويظهر إجلاله العظيم للنبى محمد (صلى الله عليه وسلم)، حتى اعتقد العلماء أنه لولا عقبتان وهما شرب الخمر والختان اللذان حرم القرآن أولهما، لكان من الممكن أن ينتحل جميع الفرنسيين النازلين إلى مصر دين الإسلام، ولكيلا يفوت نابليون شىء فى سبك خدعته، أمر بوضع التصميمات لبناء مسجد كبير يسع كل الجيش الفرنسى، ليشهد بإذن الله فى يوم قريب أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

- الثانية: وجه جورج الخامس ملك بريطانيا وإمبراطور الهند 1915 نداء للمسلمين يحرضهم ضد ألمانيا، يقول فيه: « إلى أصدقائنا سكان بلاد العرب: لا شك أن كل مسلم صميم ملأت العقيدة الإسلامية قلبه، يربأ بنفسه أن يستخف بعقيدته، ويكون ألعوبة فى يد دولة أجنبية تجعله على مذابح مطامعها... ولعل بينكم من يتساءل عن نوايانا بعد أن تنطفئ جذوة الحرب، أنتم على شوق إلى معرفة نوايانا من جهة دينكم الكريم، ألا فاعلموا أن الديانة الإسلامية قد احترمها الإنجليز أجل الاحترام، وأكبروها كل الإكبار، والتاريخ أكبر شاهد على صدق ما نقول.

- الثالثة: فى روسيا أثناء الثورة البلشفية «أكتوبر 1917»، لم يجد «لينين» أمامه إلا الاستعانة بالمسلمين الذين يشكلون أكبر أقلية فى الإمبراطورية الروسية، وقدَّر البعض عددها من 25 إلى 35 مليوناً تقريباً فى تلك الفترة، ووعدهم بالاستقلال التام واحترام دينهم وشريعتهم، كما وجه النداءات إلى المسلمين خارج روسيا، يحثهم فيها على الثورة على بريطانيا وحلفائها الذين استعمروا العالم الإسلامى وحاربوا دينه.. وكان أول بيان أصدره «لينين» إلى المسلمين بعد شهر واحد من ثورته جاء فيه: يا مسلمى روسيا، يا مسلمى الشرق، أيها الرفاق، أيها الإخوة، ثوروا من أجل دينكم وقرآنكم وحريتكم فى العبادة، إننا هنا نعلن احترامنا لدينكم ومساجدكم، وأن عاداتكم وتقاليدكم حرة لا يمكن المساس بها... واعلموا أن جميع حقوقكم الدينية والمدنية مصونة بقوة الثورة.

ووصلت دعاية «لينين» إلى درجة الزعم بأن نظامه إنما يقوم على مبادئ القرآن وشريعة الإسلام، ووصلت سياسة «لينين» الدعائية من النجاح، جعلت بعض المسلمين يعتقدون أن الثورة البلشفية هى منحة من السماء لإنقاذ المسلمين من الاستعمار الأوروبى، وقام «لينين» بتسليم مصحف عثمان رضى الله عنه الذى كان فى حوزة القياصرة إلى ممثلى مسلمى روسيا فى مؤتمر بتروجراد، وما إن استتب الأمر لـ«لينين» حتى بدأ سياسة البطش والإبادة لكل ما هو إسلامى.

- ختاماً، نجد التاريخ يعيد نفسه بكل تفاصيله، يلبسون العِمَّة أحيانًا والقُفْطان أحيانًا أخرى، ولا مانع من إحياء خدعة نابليون مرات ومرات، مع بيع بعض الأوهام، المهم كسب الحلفاء، وضمان الولاءات، فى ظل صراع عالمى يزداد اشتعالاً، وللأسف الشديد، إننا نُلدغ من الجحر مئات المرات، ولا نتعلَّم، ولا نحاول التعلم، إنها أشياء لا تستوعبها عقولنا!!.

[email protected]