رسالة حب
جاء بايدن إلى المملكة متأخرًا لكنه فى النهاية وصل.. جاء وهو يحمل الملفات الساخنة عن حلول عاجلة لأزمات كثيرة أهمها أزمة أسعار النفط التى باتت تؤرقه ليل نهار.. جاء وهو يبحث عن دور سياسى جديد وقديم.. جديد بالنسبة له وقديم بالنسبة للولايات المتحدة.. دور الحليف وليس دور الخصم اللدود.
وقبل الخوض فى وقائع وأحداث القمة، فإن هناك ما يجب أن نتوقف عنده قليلاً وهى رسائل ما قبل القمة.. الرسائل التى سبقت القمة كانت رسائل غير مسبوقة ودقيقة ومحددة الأهداف خاصة من جانب المملكة.
رسائل ما قبل القمة بدأها بايدن بمقال فى الواشنطن بوست تحدث فيه عن أسباب زيارته للمملكة بعد طول غياب، وهو المقال الذى أحدث ضجة كبرى سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها.. أما الرسالة الثانية فقد جاءت باختياره إسرائيل كأول محطة خارجية له فى الشرق الأوسط منذ توليه المنصب وإلقائه خطابا فى مطار بن جوريون قال فيه بالحرف الواحد «لا يتحتم على المرء أن يكون يهوديًا حتى يكون صهيونيًا».
أما الرسائل السعودية فقد كانت بمثابة قذائف «آر بى جى» بدأت برسالة من الأمير تركى الفيصل، قال فيها إن الدول تحكمها المصالح ولا تحكمها صداقات أو جمل منمقة أو أخلاقيات، فإذا ضمنت مصالحك مع الناس ضمنت أمنهم.
أما الرسالة الموجهة نحو الهدف فكانت من الكاتب السعودى تركى الحمد التى قال فيها إن السعودية لن تضحى بثمانين عامًا من العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، بردات فعل وجدانية متشنجة تجاه تصريحات انتخابية سابقة لبايدن، ولكن ذلك لا يعنى الارتهان الكامل لأمريكا.. فالظروف تغيرت وبالتالى فإن شروط هذه العلاقة يجب أن تتغير وفقًا لذلك.. فى رأيى أن هذه الرسالة كانت بمثابة نقطة نظام له قبل أن يضع قدمه على أرض المملكة.. أكدت الرسالة على عمق العلاقات التاريخية ومهدت إلى علاقة جديدة فى ظل ظروف متغيرة.
وفى رأيى أن الرسالة الأقوى كانت من السفيرة ريم بنت بندر سفيرة المملكة فى الولايات المتحدة والتى جاءت قبل ساعات من وصول بايدن، حيث قالت إن النفط مقابل الأمن نموذج اختزالى عفا عليه الزمن ،وهذه العبارة قطعت الطريق أمام بايدن ورسخت لوجود متغيرات جديدة ربما لا يدركها رئيس الولايات المتحدة.. ولم تكتف السفيرة السعودية بهذا بل قالت بكل وضوح لقد أصبحنا روادًا ليس فى الطاقة فقط وتحولاتنا واسعة فى مجالات عديدة ولدينا مستقبل باهر، ونريد أن تكون أمريكا جزءًا من هذا المستقبل تمامًا كما كانت جزءًا من بناء بلادنا قبل 80 عامًا.
هذه كانت أقوى رسالة من الأمير محمد بن سلمان إلى الرئيس الأمريكى قبل وصوله بساعات.. وفى رأيى أن بايدن أدرك أنه لا أحد يستطيع أن يبعث برسالة بهذه القوة سوى دولة قوية وأنه لا أحد يستطيع أن يقول لأمريكا إن لديه مستقبلا باهرا ويريد أن تكون هى -أى أمريكا- جزءًا منه سوى المملكة.. وفى اعتقادى أن هذه الرسالة ساهمت إلى حد كبير فى تحديد مجريات الأحداث والوقائع منذ وصول بايدن إلى جدة وحتى خروجه منها.
هذه كانت رسائل ما قبل القمة.. أما ترتيبات القمة ووقائعها ونتائجها ففى المقال القادم إن شاء الله.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض