أوراق مسافرة
تقفز كثيراً تلك الأقصوصة لذاكرتي، الدب الذى قتل صاحبه، أنقذ الرجل حياة الدب من شر كان سيهلكه، فأراد الدب رد الجميل، عندما نام الرجل اسفل الشجرة وحط الذباب على وجهه، أمسك الدب بحجر لقتل الذباب، فقتل صاحبه بالحجر، مقصد القصة، حسن النوايا ليس بكاف أبدا لتحقيق النتائج الطيبة، إذ لا بد من إعمال العقل والتفكير، والتخطيط والتنظيم لتحقيق النتائج المرجوة فى أى عمل يقوم به الإنسان، فما بال لو كان هذا العمل ثورة، تمس حاضر ومستقبل شعب، وتتحكم فى مصير وطن، وتشكيل أجيال.
عندما خرجت كل فئات الشعب فى 25 يناير باستثناء المؤيدين للرئيس السابق حسنى مبارك، لم يكن هناك تنظيم حقيقى لمسار الثورة، ولا قائد يوجه شعلة تأججها إلى النتائج المرجوة، وان كان الهدف الشعبى واحد» عيش حرية عدالة اجتماعية» يتوجه مطلب إسقاط النظائم، لذا كان من السهل اختطاف الثورة من قبل جماعة الإخوان، لأنها الأكثر تنظيماً والقيادة بها تسيطر على أعضائها وتفرض عليهم طاعة عمياء، وحين خرجت كل فئات الشعب للميادين فى 30 يونيو حتى المعارضين من جبهة الإنقاذ، بالطبع باستثناء جماعة الإخوان، كانت أيضاً النوايا جيدة، إزاحة الإخوان من الحكم، وإنقاذ مصر من تسييس الإسلام، وإعادتها إلى المدنية بعيداً عن عباءة المتأسلمين.
النوايا جيدة، وللثورة قائد وموجه وحامٍ عظيم هو الجيش، ورغم كل هذا لم تسلم النتائج تماماً من السقطات ونقاط الضعف، وحتى أكون منصفة، اغلب نقاط الضعف هى نتاج ارث الماضي، خاصة اتساع رقعة الفساد وعدم لجمه، وباقى نقاط الضعف محصلة متغيرات اجتماعية عكستها الثورة التى كرست هدم حاجز الرهبة أو الخوف لدى الشعب، خاصة الشباب، تجاه كل شيء بالدولة، ما افرز حالة من الانفلات والفوضى الأخلاقية تحت مسمى الحرية الشخصية، بعد أن سيطرت الصورة الذهنية على الغالبية بقدرتهم على إسقاط أى نظام يرفضونه بالخروج إلى الميادين، أى سيطرة صورة القوة والقدرة على تحريك السواكن وتغيير مقدرات وطن.
أى أن طِيب النوايا الشعبية فى 30 يونيو ووجود قيادة وجهت الثورة، لم يحقق للآن كل الأهداف المرجوة، خاصة فى سنوات ما بعد الثورة مباشرة، فالتوجه لضبط الإيقاع السياسى والشكل الخارجى للدولة، لم تطبق نفس قوته وحنكته لضبط الإيقاع المجتمعي، بحشد قيادات وكوادر ونماذج إيجابية وجيدة فى الواجهة للاحتذاء بها خاصة الشباب، ما افرز تغيرا سلبيا سريعا فى نسيج المجتمع المصري، خاصة مع جيل 30 يونيو، هؤلاء من كانت أعمارهم تسعة أعوام لما فوق، صاروا الآن شباباً، بكل ما ترسخ فى أذهانهم فى تلك المرحلة من انعدام الخط الفاصل بين الحرية والفوضى، وبين الطموح والتسلق، وبين العمل الجاد والفهلوة، وبين حرية التعبير وسوء الأدب، بين النقد الوطنى البناء، والنقد الهدام، بين العارضة وخيانة وطن.
نعم، شهد المجتمع خلال هذه السنوات ما يشهده من قبل، من تحقير هيبة المهاب، ورفع قيمة الرخيص، تسيد الموهومين وتضخيم الأقزام، تسطيح القيم وإقصاء الأخلاق، وانعكس كل هذا سلباً على مستويات الأداء فى العمل، والإنجاز فى الإنتاج، والثقة فى المستقبل، بل انعكس على كيان الأسرة المصرية نفسها، فتضخمت «الأنا» لكل فرد بها، والانعزالية فى عوالم افتراضية، والتفكك الإنساني، والتخلي، وغياب الشهامة والمروءة، علينا أن نتحلى بالشجاعة لنواجه انفسنا ونعترف أن الاهتمام بإعادة بناء المجتمع، لم يكن على نفس قدر الاهتمام ببناء ما تهدم من كيانات فى الدولة... للحديث بقية.