رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

أنا عربى المولد لكنى غربى الثقافة والتطلع هكذا وصف بورقيبة نفسه، والتى سولت له تأسيس نظام علماني على نمط «اللائكية» العلمانية الفرنسية المصقولة فى لهيب الثورة، والتى فصلت بين الدين والدولة فصلاً كاملاً وشاملاً، وهو ما تمخض عنه ملامح مشروع تقدمى بنكهة أتاتوركية يرفع راية المساواة بين المرأة والرجل، فسعى سعيًا حثيثًا إلى ترسيخ صورة الدولة الصارمة بتوحيد القضاء وإرساء المؤسسات، والمثير للدهشة أن النظامين الأتاتوركى والبورقيبى هما النظامان العلمانيان اليتيمان فى العالم الإسلامى وسط بحر من الأنظمة الدينية وشبه المدنية المتزاوجة مع الدينية.

لكن تجربته الجريئة فشلت بسبب قمعه وتسلطه فحاول حمايتها بجنازير الدبابات ونظام الحزب الواحد لاسيما مع تزايد نفور الشعب الذى قاسى الأمرين من أزمات اقتصادية طاحنة أشهرها انتفاضة الخبز ولم تفلح تدابير خلفه الأمنية فى إجهاض ثورة الياسمين التى أطاحت بعقود من العلمانية المتطرفة، لقد منحت انتفاضة الشباب فرصة ذهبية للإسلام السياسى لتصدر واجهة المشهد بعد أن نجح فى استغلال هشاشة مؤسسات وأجهزة الدولة عقب سقوط النظام وحالة التشتت بين صفوف التيارات الليبرالية واليسارية، وزاد الطين بلة حل حزب التجمع الدستورى الحاكم فتلاشى الأمل الأخير للمنافسة الحقيقية، وبذلك استحوذت النهضة على مفاصل الحكم وسط مناخات دولية بدت ملائمة لصعود الحركات المتأسلمة. فقد بنت سرديتها الكلاسيكية على الأيديولوجية الشمولية بكل ما تتضمنه من أدبيات وشعارات على غرار الإسلام هو الحل والدور الحضارى والمظلومية التاريخية وتسويق صورة الجماعة المنظمة والمنتشرة فى ربوع البلاد والتى تزخر بالكفاءات فى كافة المجالات!!

 لكن واقع الأمر أن تلك الشعارات لم تعد لها مصداقية أو جاذبية لدى فئات واسعة من المجتمع فى ضوء الفشل الذريع للحكومات المتعاقبة، والتى بلغت رقمًا قياسيًا 11 حكومة فى عشر سنوات تسببت فى وضع تونس على حافة الإفلاس، وباتت هناك قطيعة بين الحركة وهذه الفئات، وقد تجلَّى ذلك فى تظاهرات 25 يوليو 2021، بل إن هذه القطيعة بدأت تظهر بين الحركة وجمهورها ومناصريها.

كل هذه التداعيات شجعت قيس سعيد لإصدار حزمة إجراءات استثنائية فرضت أمرا واقعا بتجميد البرلمان وتعليق العمل بالدستور وتغيير تركيبة هيئة الانتخابات وتنقيح قانون المجلس الأعلى للقضاء وعزل القضاة. حسبها معارضوه انقلابا دستوريا، بينما ثمنها المؤيدون واعتبروها تصحيحا ضروريا لمسار البلاد ورويدًا رويدًا استتب الوضع مما شجعه على رسم خارطة طريق بدأت بحوار وطنى يهدف لتدشين جمهورية جديدة ترتكز على إرساء ثقافة جديدة هى ثقافة بناء الدولة عكس ثقافة العشر سنوات الأخيرة، وهى ثقافة تقاسم السلطة، وسوف يذهب التونسيون للاستفتاء على الدستور الجديد فى يوليو القادم ثم تجرى انتخابات تشريعية فى ديسمبر القادم، وقد عبر ناجى جلول رئيس حزب الائتلاف الوطنى عن جوهر الأزمة عندما قال «الشعب التونسى بحاجة لتحسين أوضاعه المادية... ولم تعد الديمقراطية مطلبا مجتمعيا تونسيا».

ربما يشعر البعض بالإحباط إلى ما آلت إليه التجربة الديموقراطية لكن الواقع المرير فرض حقيقة أن تجميع السلطات بيد «رجل نظيف» أفضل من تقاسمها بين «فاسدين»، لا شك أن تونس العزيزة على مفترق طرق، إما النجاة على شاطئ الاستقرار والبناء أو الغرق فى مستنقع الفوضى والخراب، لذا الأمل فى ديكتاتورية راشدة تبنى جمهورية مدينة حديثة تتناغم مع الموروث الثقافى للشعب التونسى، للأسف ليس بالديموقراطية وحدها تحيا الشعوب.