أوراق مسافرة
«العيش فى خوف واستسلام أفضل من الموت الزؤام»، أنت لا تصدمنى كثيراً زميلى الكاتب الروائى مصطفى عبيد برؤيتك المجتمعية هذه لإرادة بعض الشعوب المستسلمة التى أتناول مثالاً صارخاً لها فى كوريا الشمالية، وأجزم بأنها رؤية ورصد وليست قناعة أو رأياً شخصياً لك، ولكن عزيزى كلنا ميتون، مهما طالت أعمارنا وتشبثنا بتلابيب الحياة وأسباب البقاء، سيدنا نوح أطول خلق الله عمراً، مات وعمره 950 عاماً، وكان من أولى العزم فى رسالته كما ورد فى كتاب الله العزيز، أى لا خلود مطلق، لكن المحزن أن نولد ونموت دون ترك أى بصمة أو أثر فى الحياة، بل يمر أغلبنا عليها مرور الكرام، يأكل ويشرب، يدرس فيعمل، يتزوج فينجب، يمرض فيموت، أو يموت فجأة، ويترحم عليه من عرفوه، ويطوى فى أسطر النسيان.
وعلى نقيض هذا، هناك من ماتوا بعد عمر قصير قدراً، أو اغتيلوا عمداً، أو تم القضاء عليهم بمخطط سرى للخلاص من أدوارهم المؤثرة القوية فى الحياة، ولكن الفارق أنهم رحلوا وتركوا خلفهم الأثر الطويل الجميل لأجيال كثيرة بعدهم، فحياتهم لم تكن عبثاً، بل وفقاً لما قال الله فى كتابه العزيز «ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادى الصالحون» أى الصالحون من يرثون الأرض، يعمرونها، يطورون العيش فيها بكرامة وحرية وسلام، وتاريخ الشعوب والأمم حافل السجلات بأسماء أصحاب البصمات الصالحة فى مجتمعاتهم للتحرر من العبودية الإنسانية والفكرية، ومحاربة فاشية الأنظمة الشمولية وكل نذر الديكتاتورية، وأشرف موت للإنسان، أن يموت من أجل غاية أو هدف إنسانى أو مبدأ.
فكيف يقبل 16 مليون مواطن إلا الحفنة المقربة من الحاكم، أن يعيشوا هذا الانبطاح والتنويم الإجبارى للإرادة، أن يقبلوا تسطيحهم، استغباءهم، قيادتهم بسيكلوجية احتقارية استبدادية لإخضاعهم، أن يقبلوا دمويته فى إرهابهم.
فها هو الزعيم المفدى يصدر قرارات غريبة وغير منطقية ليعدم بين يوم وآخر حفنة من شعبه، ليرسخ الرعب فى قلوب الباقين، يقتل بلا رحمة ودون أى أسباب موضوعية، وليس لأحد أن يسأل سفاحاً مهووساً بجنون العظمة لماذا تقتل، فرصاصه ومدافعه مصوبة نحو الجميع، ولا يستثنى من هذا أقاربه وذويه ومعاونيه، ليقول لمن حوله «لا عزيز لدى سوى عرشى ونفسى»، فقد أعدم أخاه الأكبر غير الشقيق حتى لا يشعر بأى تهديد على عرش حكمه، أعدم عمه لأنه لم يصفق له بحماسة عندما قلده منصب نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية للبلاد، فقد اعتبر أن عدم تهليل العم تصفيقاً لما خلعه عليه من منصب إهانة له كزعيم لم يرَ العالم سواه، وكان واجباً على العم أن يلهب كفيه بل وجهه تصفيقاً حاراً ليرضى الزعيم.
ونصل إلى زوج عمته شانغ سونغ- ثيك، الذى وجه إليه تهمة محاولة الانقلاب ضده، ولم يرحم توسلات عمته ودموعها بالرحمة، ولم يسر فى إجراءات المحاكمة والإدانة للمتهم للنهاية، لأنه هو وحده الزعيم والقاضى والجلاد، زوج عمته كان ذراعه اليمنى فى الحكم ومستشاره بل مدربه السياسى، وقد أعدمه بصورة لا يفعلها الوحوش، ألقاه حياً عارياً مع خمسة مسئولين آخرين، وأطلق عليهم 120 كلباً جائعاً مسعوراً، تنهش فى أجسادهم، واستمرت عملية الإعدام ساعة كاملة، فى حضور ذويهم و300 من كبار المسئولين، وحين ضاق ذرعاً بحزن عمته، وذكرها فى المجالس ما فعله بزوجها الذى علَّمه السياسة والقيادة، قدم السم لعمته وعدد من الأقارب والأصدقاء ليغلق فمها النائح للأبد، و...
وللحديث بقية