خارج السطر
مر ثلاثون عاما على اغتيال فرج فودة، ولم يُنصف الرجل أو يُرد اعتباره. ويبدو الوجع عندى مضاعفا وأنا أرى الرصاص مازال يُصوّب كل يوم على الشهيد المبصر ليتكرر الحادث بأسماء جديدة وعبر فضاءات مختلفة.
أتوجع حين يحاورنى طبيب نابه أو مهُندس فذ أو متعلمون أجلاء، ويرددون باستسهال اتهامات الجماعات الإسلاموية الزائفة ضد الرجل، والتى ذاعت بعد قتله بأنه ارتد عن الإسلام، وسب النبى والصحابة، وطالب بإباحة الزنا، وكل الترهات التى من تأليف خصومه.
ولأننى قرأت أغلب كتابات الرجل، فقد تحديت أكثر من شخص أن يُخرج لى عبارة واحدة تحمل كفرا أو زندقة، لكن أحدا لم يكن يكلف نفسه عناء القراءة أو التدبر والتفكر، وكانوا جميعا يُحيلون الأمر للقول بأن شيوخ الدين وعلى رأسهم فلان وفلان حكموا بارتداد الرجل.
لقد كان أجمل ما فى فرج فودة أنه نهض وحيدا لمواجهة تجريف المجتمع المصرى نحو الصحراء تحت أسنة رماح كاذبة ترفع المصاحف. رأى المفكر العقلانى أن الغوغاء ينتصرون، وأن الناس يمضون كالقطيع خلف كل مُلتح أو مُعمم، فيصدقونه ويؤمنون بما يقول. هب الرجل فى شجاعة وحكمة ليقرع الأجراس ويحذر الناس، ويُنكر أن يكون الإسلام مجرد نقاب أو لحية أو عذاب وعقاب.
أتصور أن الرجل قُتل لأن منظومة التطرف كان لابد أن تزيحه من طريق هيمنتها وسيطرتها على الناس بذلك الخطاب العقلانى الفذ، المتسق مع لغة جذابة وساحرة، وهكذا فقد افترضت هذه المؤسسة أن نقدها هو هجوم على الإسلام نفسه، فكفرته وروجت عنه كل نقيصة.
ومَن يُطالع كُتب فرج فودة الاثنى عشر لا يجد كلمة واحدة إهانة لمقدس أو سخرية من قرآن أو تطاول على معتقد إسلامى، بل هو نقد يُركز على أفعال الناس وكلامهم، وهؤلاء الناس هم أعضاء الجماعات الإسلامية والمتربحون من الإسلام السلفى من كتاب ونشطاء. ومنهم القائمون على جريدة النور التى التحفت بصفة «الإسلامية» جهلا وزورا، فادعت فى مقالات مفبركة أن الرجل يدير جمعية خاصة للزنا ويدعو للفجور، ما دفع فرج فودة أن يرفع دعوى سب وقذف حكم له فيها.
لقد ساء دعاة الخطاب المتأسلم وعلى رأسهم الشيخ الغزالى ومحمد عمارة ومأمون الهضيبى، أن يحاججهم الرجل بالعقل ويتحداهم المرة تلو الأخرى أن يُثبتوا أن هناك حكومة إسلامية ويطلب منهم أن ينزهوا الإسلام عن صراعات البشر، ففشلوا وحاروا ووصلت بهم خصومة الفكر أن يصدروا بعد اغتياله كتابا أعده عبدالغفار عزيز بعنوان «مَن قتل فرج فودة؟» انطوى على قراءة سطحية ساذجة انتهت إلى أن فرج فودة هو الذى قتل فرج فودة، وشجعته على الانتحار مجلة أكتوبر وجريدة الأحرار لنشرهما كتاباته. وكأننا بالمنطق ذاته نصوغ للقتلة فى كل عصر جريمتهم بدعوى أن فلان لو لم يفعل ما فعل أو لم يقل ما قال ما قتل.
إننا بعد ثلاثين عاما من اغتيال فرج فودة، وبعد صدق نبوءاته، وتجرع مصر مرارات العصف التكفيرى والمد الدينى سنوات طويلة لم ترد بعد غيبة الرجل ويوفّ حقه، ولم ينصف. ما رأيكم أن نُعظم شهيد الكلمة والعقل بإطلاق جائزة كبرى فى الفكر الإسلامى المستنير تحمل اسمه؟
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض