خارج السطر
فى أعياد ميلاد معارفنا نردد دائما تمنياتنا لهم بالحياة لمئة سنة. ولو تدبرنا وفكرنا قليلا لرأينا أن الأمنية الأصوب هى تمنى السعادة والرضا والعمل الخالد بغض النظر عن عمر السنين التى يعيشها البشر.
فكم من الناس عاشوا حتى ضجروا وضجر مَن حولهم، وكم من الناس عاشوا قليلا وتركوا آثارا أطول وأعظم، لذا فإن الشاعر الفلسطينى فخرى رطروط يقول لنا «مت باكرا.. إن كنت حقيقيا».
وأعتقد أن اللقب الأكثر تداولا فى بلدان الخليج وهو «يا طويل العمر» ليس جميلا، والأفضل منه قول «يا طويل الأثر»، فالإنسان بآثاره ومنافعه، وكما يقول أحمد شوقى «فالذكر للإنسان عمرٌ ثانِ».
وإذا كان عدد من تجاوزوا مئة عام الآن يبلغ 450 ألف إنسان على وجه الكرة الأرضية، فإن مجلة «رويال سوسايتى أوبن سايز» تقول لنا إن التقدم العلمى والتطور التكنولوجى والوعى الصحى سيرفع أعداد المعمرين الذين يتجاوزون مئة عام فى سنة 2100 إلى 25 مليونا من البشر، ويعنى ذلك أننا قد نشهد جان كالمان جديدة أو مَن يفوقها، وهى تلك السيدة الفرنسية التى ضربت الرقم القياسى فى الحياة إذ رحلت سنة 1997 عن عمر 122 عاما، كما سنجد كثيرين مثل اليابانية كانى تاناكا التى بلغت قبل شهور 118 سنة.
وأنا أصدق ما تقوله «رويال سوسايتى أوبن سايز» لأن متوسط عمر الإنسان ارتفع من أربعين عاما سنة 1950 إلى أكثر من 66 عاما فى الوقت الحالى، لكنى لا أجد لذلك الارتفاع أى معنى يخص السعادة الحقيقية.
فقبل شهور قليلة قابلت سيدة فى السادسة والتسعين من عمرها، وكانت تحكى لى ذكرياتها وهى طفلة صغيرة تلعب على سلالم البيت، ولمحت الدموع تتدفق من مقلتيها، عندما قالت لى «كانت أيام ليس كمثلها شىء.» ثم أضافت ناصحة» ليس أسوأ من أيام جميلة تتذكرها بعد مرور تسعين عاما»، فالعمر يجرى كقطار قشاش يتعجل سائقه الوصول إلى غايته. وأتذكر قبل عدة سنوات، أننى أجريت حوارا مع الاقتصادى البارز أمين فخرى عبدالنور، عندما احتفل بعيد ميلاده المئة، وكان سعيدا وباشا بمحبة مَن هم حوله، لكنه قاله لى «إنه ليس سعيدا بطول عمره، وإنما بما حققه من نفع لبلده ومجتمعه.»
إن الموت ضيف ثقيل، قادم قادم. ربما نهابه، فلا نذكره عملا بمقولة الفيلسوف الفرنسى بليز باسكال الشهيرة التى تقول «اثنان لا يستطيع الإنسان أن يحدق بهما: الشمس والموت»، لكن المؤكد أنه يترصدنا جميعا واحدا واحدا.. يُحصى خطواتنا مُنذ أول دبيب لنا على الأرض.. يراقب أنفاسنا، ويستعد كل يوم ليؤدى مهمته فى العبور بمن يُكلف به إلى عالم الخلود.
لذا، فإن الحياة رحلة قصيرة، مهما طالت، وهى تتعاظم بما نمنحه للآخرين من نفع وخير وأخلاق وقيم وجمال وسحر وروعة ومنافع وسعادة.. وهكذا فإن ما يمكث فى الأرض هو الخير الحقيقى، فعليك أن تعرف ما يجب فعله، تركه، منحه للعالم من بعدك.
وليس أجمل من أبيات الشاعر الجميل محمود درويش تعبيرا عن ذلك، وهو يخاطب الموت فى جداريته الشهيرة، فيقول:
«هَزَمَتك يا موتُ الفنونُ جميعُها../هَزَمَتك يا موتُ الأغانى فى بلادِ الرافدينِ/ مسلَّةُ المصري/ مقبرةُ الفراعنةَ / النقوشُ على حجارةِ معبدٍ/ هَزَمتك وانتصَرتْ/ وأفـْلتَ من كمائِنِكَ الخلودُ.»
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض