أثار قرارالهيئة الوطنية للصحافة، بوقف طباعة مجلة «الكواكب» بعد 90 عامًا من الصدور، موجة من الاستياء والغضب والدهشة، لمن يعرف قيمة «الكواكب» وتاريخها، والقناعة والرضا بالقرار لمن ينتمون إلى نظرية الواقع ومواكبة العصر الرقمى، وبين القناعة والدهشة والغضب والرضا، من هذا القرار الذى جاء ليكتب نهاية المجلة كمطبوعة، لنا هنا هذه الملاحظات، مع التأكيد أننا دائمًا مع التطوير والتطور ومواكبة العصر الذى نعيشه:
أولاً: لم تكن هذه، هى المرة الأولى التى تتخذ فيها الهيئة الوطنية للصحافة، قرارًا بوقف طباعة أحد إصدارات الصحف القومية، فقد كانت لها سابقة مع وقف طباعة الصحف المسائية العام الماضى، رغم الانتشار والشعبية التى تحظى بها تلك الصحف، والسؤال المشروع: هل هناك نية لوقف طباعة عدد آخر من الصحف القومية مستقبلاً؟ لقد أصبح الترقب سيد الموقف، وعلى من سيقع الاختيار، ومن سيصيبه القرار القادم.
ثانيًا: صدر قرار إيقاف طباعة «الكواكب» دون إبداء أسباب معلنة، أو بيان توضيحى مرفق بقرار الإيقاف، وإذا كانت الخسائر المادية، هى السبب الأكثر واقعية وشيوعاً، فإن هناك من الأشياء، التى لا يمكن أن تقدر قيمتها بثمن، وهذا ينطبق على مجلة «الكواكب» وتاريخها الصحفى الطويل، كذاكرة فنية لتسعة عقود من الزمن، هذه الذاكرة لا يمكن إخضاعها لحسابات المكسب والخسارة المادية.
ثالثاً: اتخاذ قرار وقف الطباعة بناءً على عملية المكسب والخسارة، وقواعد السوق وآليات الاقتصاد، نتفهمه - ولا نقبله- مع رجل أعمال يقوم بإصدار مطبوعة، وفقًا لحساباته الشخصية، وأجندته الخاصة، والتى كانت سببًا فى إصدار المطبوعة من البداية، والتى كانت أيضًا سببًا فى قرار إغلاقها فى النهاية، أما الدولة - فى هذه القضية - فلا يمكن أن تخضع لهذا المبدأ، أو لهذه الحسابات مطلقاً، لأن الدولة منوط بها الحفاظ على ذاكرة الأمة وتراثها، والدفاع عن كل قيمة موجودة على أرضها، وتطويرها، لتواكب العصر وليس بإعدامها، فالجرائد حياة الأمة والصحافة مرآة لها وآلة تسجيل الحياة فيها.
رابعاً: الذين يدافعون عن نظرية قتل الصحف المطبوعة وإعدامها، ويؤمنون بأن الصحف المطبوعة، أصبحت جثة تنتظر التكفين، ثم الدفن بغير رجعة ولا رحمة، أقول لهم، تلك نظرة سطحية يمكن أن يتبناها أصحاب البيزنس و«السبوبة».. لماذا؟.. لأن الصحافة الرقمية أو المطبوعة، إحدى وسائل نشرالمحتوى، وكل وسيلة لها أدواتها وما يميزها عن الأخرى، ليكمل كل منهما الآخر، وليس لإلغائه، وتحتاج فقط كل وسيلة، محتوى خاصاً بها يناسب أدواتها ويميزها عن الأخرى.
خامساً: وهو الأهم والمهم والأكثر أهمية، الصحافة الإلكترونية هى صحافة بلا ذاكرة حقيقية، عكس الصحافة المطبوعة تماماً، فذاكرة الصحافة الإلكترونية، ذاكرة يمكن تعديلها واللعب فيها وتغييرها، بل يمكن محوها بضغطة «زر»، أى أنها ذاكرة وهمية، ولما كانت عملية التوثيق هى الوظيفة الأعظم لمهنة الصحافة بشكل عام، لأنها شاهدة على عصور بأكملها، فهذه الميزة للصحافة الورقية وحدها كفيلة، بعودة جميع الصحف التى توقفت عن الطباعة.
سادساً: بمناسبة الذاكرة الوهمية والتوثيق، فليخبرنى أصحاب «حجج» نظرية الواقع وأسباب مواكبة التطور التكنولوجى، عن أسماء المواقع الإلكترونية فى الوطن العربي- إن وجدت- تمتلك ذاكرتها وأرشيفها الإلكترونى، هل منهم من يمتلك وحدات التخزين-«السيرفرات» - التى تقوم عليها المواقع الإلكترونية؟!، أم تقوم جميعها باستئجار هذه المساحات التخزينية وشرائها، ليتم تحميل الموقع بكل ما يحتويه عليها، من خلال شركات خارجية، ويمكن محوه إن تأخر الدفع، أو إلغاء تلك الذاكرة بسبب مشكلة فنية قد تحدث لهذه «السيرفرات المستأجرة»!
نحن نستخدم التكنولوجيا وندفع ثمنها، نستهلكها ولا نملك منها شيئاً، نحن أحد العالقين فى كوكب جوجل ووادى السيليكون، وعندما نملك التكنولوجيا الخاصة بنا، سنملك أرشيفنا وحاضرنا ومستقبلنا، ووقتها نملك آلية الحفاظ على تراثنا الرقمى بكل وسائله، ووقتها.. ووقتها فقط أصدروا ما شئتم من قرارات وقف الطباعة، أما اليوم وإلى أن تأتى هذه اللحظة، فكل مطبوعة يتم إغلاقها، بمثابة عملية كسر لآلة من آلات تسجيل الحياة للأجيال القادمة، وبين الغضب والدهشة والرضا والواقع، أصبحنا كصحفيين ينطبق علينا قول الشاعر:
ألقاه فى اليم مكتوفًا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
نحن مع التطوير وليس الإلغاء.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض