عبر التاريخ المعلوم لا يوجد مكان على وجه المعمورة يحوى بين جنباته هذا الكم الهائل والمتنوع من الأماكن المقدسة للسواد الأعظم من البشرية مثل حاضرة أورشليم القدس وأكنافها، فهى مهبط تنزل الوحى ومستودع الرسالات السماوية وموضع قصص الأنبياء السابقين المطبوعة آثارها على كل بقعة شاهدة على ثراء الماعون الحضارى الذى لا ينضب، فهى بدون شك درة الميراث المشترك للإنسانية.
وللإشارة لا يقتصر الأمر فقط على المقدسات الإسلامية مثل المسجد الأقصى وحائط البراق وقبة الصخر والمسجد الإبراهيمى، بل تعج بالرموز والمزارات المسيحية التى تراكمت عبر العصور، فهى مرتبطة بميلاد يسوع ورسالته وصلبه وقيامته وبها معظم الأحداث المذكورة فى العهد الجديد وحتى بعض الأحداث المذكورة فى العهد القديم.
فبعد تحول الإمبراطور الرومانى قسطنطين إلى المسيحية فى بداية القرن الرابع انتهى رسميًا عصر الاضطهاد مما أفسح المجال للكنيسة كى تنظم نفسها وتنتشر وتزداد نشاطًا تبشيريّا، فبنيت الكنائس الكبرى مثل كنيسة القيامة وكنيسة المهد وكنيسة مريم المجدلية. فحضور المسيح فى أورشليم القدس واضح إنجيلياً، بشارة وتعليمًا ودعوةً، ابتداء من مجيئه صبيًا إلى الهيكل، ثم تعليمه فى المجامع وصولاً إلى درب آلامه وصلبه وقيامته.
وغنى عن القول إن المسيحيين كانوا دائما فى قلب الحركة الوطنية الفلسطينية، سواء فى مقاومة الانتداب البريطانى، أو الاحتلال الإسرائيلى، بهم ومعهم انطلقت الثورات الفلسطينية، فكانوا فى طليعة من قدموا التضحيات والدفاع عن فلسطين، وهم ليسوا طائفة أو أقلية، بل مكون رئيسى من مكونات المجتمع وأساس أصيل للهوية الوطنية والرواية الفلسطينية، فمنهم المفكرون والأدباء والشعراء، أمثال إدوارد سعيد، وروز مارى سعيد، وأميل حبيبى، وكمال ناصر وحنا مقبل.
فضلاً عن أيقونة المقاومة الخالدة المطران هيلاريون كبوتشى الذى اختار لنفسه اسم هيلاريون، تيمناً بهيلاريون الناسك الذى عاش فى غزة قبل 1800 سنة، وهو ما يوضح الرابط الروحى. انتخب كابوتشى مطرانا للقدس واستغل مكانته لصالح القضية رافضاً أى تعاون مع إسرائيل، مقاطعًا المناسبات البروتوكولية، ولذلك اعتقل فى 1974 بتهمة تهريب السلاح للمقاومة، وحكم عليه بالسجن 12 عاماً، ولكنه قضى منها 3 سنوات بعدما تدخل بولس بابا الكنيسة الكاثوليكية ولكن بشروط منها أن يكون بعيداً عن فلسطين.
تألم كبوتشى لفراقه للقدس وأهلها، وظلت امنيته العودة إليها حتى مماته، ولكنه لم يتوقف وقدّم كل ما يستطيع من أجل القضية الفلسطينية. فقد شارك فى أسطول الحرية عام 2009 لنقل المساعدات الغذائية للقطاع المحاصر.
وعلى نفس الدرب عاشت قديسة جنين والقدس الصحفية المناضلة شيرين أبو عاقلة التى اغتالتها آلة الإرهاب الصهيونى وهى تحاول فضح الممارسات العنصرية ضد أبناء وطنها، لكن ترك المتنطعين كل هذه التضحيات النبيلة لشيرين وتحول دفة الجدال حول مآلها إلى الجنة أم إلى النار بسبب ديانتها فتم للأسف اغتيالها مرتين فيبقى السؤال: لمصلحة من هذا الجدل العقيم؟ الإجابة بوضوح لصالح المعتدى الصهيونى الذى يعمل بخبث على نشر الفتنة بين أبناء الوطن الواحد حتى تبقى القضية ممزقة لذلك قال كونفوشيوس يومًا إذا قابلت من يتظاهرون بمحاسن الأخلاق ويبالغون فى معسول الكلام فاحذر فنادرًا ما تعرف الفضيلة طريق هؤلاء.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض