على فكرة
أثناء حوار أجريته فى النصف الأول من التسعينيات الماضية، قال لى المستشار «مأمون الهضيبى» المرشد العام لجماعة الإخون آنذاك، ببساطته المعهودة وهو يضحك، لقد تعلمت جماعة الإخوان الطريقة الجيدة فى الحشد والتجنيد لصفوفها، من التنظيمات الماركسية التى كانت منتشرة فى مصر فى أربعينيات القرن الماضى. تذكرت هذا الحديث فور قراءتى لكتاب «عماد عبد الحافظ «» فى السجن عرفت الإخوان ،الصادر مؤخرا عن دار سما للنشر والتوزيع. فى الكتاب يروى المؤلف تجربة عضويته فى جماعة الإخوان، وكيف قادته للاقتناع بأفكارها والترويج لها ، والتحدث بما يمليه عليه قادتها ، ثم الإفلات من براثينها.
ويشرح الكاتب باستفاضة كيف تم استدراجه لعضوية الجماعة، وهو فى بدايات دراسته فى كلية الحقوق، بوهم خادع وطاعة عمياء، لا استقلال فيها لحرية الرأى والإرادة، تمجد التنظيم وتضفى على سريته وانعزاليته قداسة ، فضلا عن صفة الربانية التى تمنحها لقيادتها ،وتلزم أعضاءها بما تقتضيه متطلبات التقديس والصرامة ، سواء كان غيا أو رشدا، باستغلال ممنهج للتدين العفوى لدى الناس ، والبسطاء منهم على وجه الخصوص.
وبعد خمسة عشر عاما من عضويته بالجماعة، يغادرها المؤلف، ويقرر أن يروى تجربته معها ،ليس تشفيا وانتقاما، بل لنشر الوعى بما يقود من يرغب، إلى تصحيح الأخطاء، والتعافى من تبعاتها. يكتسب الكتاب أهميته من أنه شاهد من أهلها، يرنوإلى تعرية الأخطاء والتعلم منها لا تكرارها. وتكشف الرواية عيوب جماعة الإخوان البنيوية التى تتمثل فى أنها فكر دينى فى أزمة ، وتزعم أنها الإسلام وهى ليست كذلك ،وتبنى تنظيمها على السمع والطاعة ، وترفض النقد من داخلها أو خارجها وتسعى وهى منقسمة محليا ومليئة بالصراعات، لعالمية التنظيم وأقليميته.
ساعده على الوصول إلى ذلك ،الاقتراب أكثر من اخطائها ،عقب القاء القبض عليه ، ورواية ما شاهده فى اعتصام رابعة من ضخ لأسلحة و أموال وأكاذيب ، دفاعا عما كانت الجماعة تسميه الشرعية ، وحينما لمس داخل السجن عن قرب المعاييرالمزدوجة التى يدير بها قادتها شئونها والتفرقة بين الكبار والصغار والاستغلال الشخصى للوفرة فى الأموال والامكانيات والموارد التى تحوزها.
الكتاب دليل مفعم بالتفاصيل الهامة عن كيف تتم صناعة الفرد داخل الجماعة من سن العاشرة وحتى الحادية والعشرين عبر اللجان الفنية الخاصة التى تشكلها لتجنيد الأشبال وطلاب الثانوى والتعليم الفنى والجامعى والأخوات والعمال والفلاحين والمهنيين. وكيف تستهدف الأفراد المتميزين اجتماعيا ودراسيا فى كليات القمة الطب والهندسة والعلوم والصيدلة. وكيف يجرى العمل على سلب إرادتهم لتنفيذ خطط لم يشاركوا فى وضعها ، وكيف تضعهم الجماعة منذ اللحظات الأولى ،فى مأزق روحى تملك دون سواها طرق النجاة منه. فهى تستثير العواطف الدينية الحقيقية لدى الفرد، حين توهمه أن الإسلام فى خطر، وأن الحكام يغيبون الشريعة، وأن المدينة الفاضلة هى نموذج الدولة التى أقامها الرسول الكريم فى المدينة.
يظل الفرد فى رحاب الجماعة منشغلا بتلقى الأوامر وتنفيذها ، لا تشغله القراءة التى تساعده على التفكير النقدى، ومحروم من طرح الأسئلة، ومأمور بتنفيذ الأوامر دون فهم مبرراتها وأسبابها، لأن قادتها الربانيون لا يأمرون سوى بماهو خير. وحين تبين لعماد عبد الحافظ بعد أن قرأ وتعلم وعرف، أن وجهة نظر الجماعة هى مجرد فهمهم الخاص للإسلام، ولا تمثل الإسلام، وأنها جماعة لا تراجع أخطائها ولا ترى الواقع كما هو، وأنها تكلست بجمود أفكارها الفقهية وعدم قدرتها على مسايرة منتجات العصر الحضارية والثقافية، تركها ومضى، ليسجل فى كتابه تجربته الهامة المليئة بالدروس والعبر، لولا بعض المبالغة فى تبرير كتابتها التى بدت وكأنها اعتذار عن صدورها، ولولا غيبة المراجعة اللغوية عن تصحيح بعض أخطائها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض