رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

 

هل نمت يا صاحبى وأنت جالس؟ لا، فقط أغمض عينىّ لحظات عسى أستجمع بعض قواى لأحتمل الصداع البشع، فلم أنتهِ بعد من كتابة الموضوع. أوَ لا تذهب لطبيب، فالألم يداوم نوباته عليك بلا هوادة؟ قد أفعل حين أنتهى من مهمة العمل المكلف بها. وماذا عن وخز الألم بصدرك؟ آه يا عزيزى ليست لدى رفاهية التقلب بين الأطباء، ثمن الكشف، قائمة فحوصات الأشعة والتحاليل وكميات الأدوية، كل هذا بيتى به أولى. إذن لن تشترك فى الرحلة؟ لا والله قسط الجامعة للولد حان وقته، ولا يمكننى تأجيله، ولحسن الحظ الأرباح السنوية ستصرف بعد أيام.

يهز صاحبه رأسه فى ألم، ويقرر ألا يخبره بأنهم حرموه أيضاً من الأرباح شأنها شأن الحوافز، لا لشىء سوى مزيد من التعنت ضده، لمجرد أنه شخص لا يروق للبيه رئيس التحرير، يعطى فيزا الراتب- والمفترض أن الأرباح السنوية أضيفت لها- إلى ولده ليدفع قسط الجامعة، فامتحانات نهاية العام على الأبواب، يقف الولد فى الصف بين زملائه أمام ماكينة البنك بالجامعة، ويدخل الفيزا، فيفاجأ بأن الرصيد «صفر»، يدارى إحراجه وغضبه بسرعة الانصراف، يتصل بوالده الصحفى الذى قضى أكثر من ربع قرن فى ساقية العمل بالمؤسسة دون كلل ولا هوادة، يرتج الموقف على الأب خجلاً وعجزاً، ويدرك أنهم يصرون على إحكام الخناق حوله ظلماً وعدواناً، ليضاف إلى حرمانه من تدرجه الوظيفى ومكانته الأدبية، فيقرر أن يشترى بنفسه الحبل ليلفه حول رقبته، ليختصر مخططهم الطويل، ويختصر على نفسه المزيد من الذل، إنه قهر الرجال.

هل ينجو أى صحفى منا نحن الجيل القديم أو جيل الوسط من هذا السيناريو الواقعى حتى قمة الخيال والعبثية، ما سأقوله ليس تنصلاً من جيل الشباب ولا متاعبهم، ولكن جيل صحفيى الثمانينيات، أى من بدأوا العمل فى الثمانينيات، أو المتبقى منهم على قيد الحياة، وجيل التسعينيات عانوا أكثر مما يتوقع الشباب، وأغلبنا ظلم ولم ينل حقه حتى الآن، كنا لا نملك من وسائل التواصل والاتصال إلا التليفون الأرضى، وغالباً تليفون البقال، لنملى الأخبار من موقع الحدث إلى الجريدة اختصاراً للوقت، فلا رفاهية للإرسال بالفاكسات، ولا إنترنت ولا إيميلات، ولا هواتف محمولة بتطبيقات الواتس وخلافه، صور الموضوعات تطبع ورقياً بالأحماض داخل استوديو الجريدة وليس ديجتال، حين نحتاج إلى خلفية أى موضوع، ولم يكن «عمنا جوجل» موجوداً لنحرك الباحث فتنسال علينا المعلومات من كل حدب وصوب، فكنا نبحث عن المعلومات فى أمهات الكتب بالمكتبات، أو بين تلال أرشيفات الصحف القديمة بجريدتنا أو بالصحف الأخرى بعد الحصول على إذن كتابى للسماح، نظل طيلة النهار بين الشارع والجريدة على طعام واحد هو ساندويتشات الفول والطعمية، وننتظر الطبعة الأولى، وكثيراً ما كنا نبيت بالجريدة فى انتظار الطبعة الثانية، وإن أسعفنا الحظ نلهث خلف أتوبيس آخر الليل لنعود لبيوتنا جسداً منهكاً تحوَّل إلى قطعة من العذاب.

يتحرك الصحفى منا حاملاً همومه الشخصية الحياتية بكل مفرداتها البائسة، من احتياجات، مسكن، ملبس، مأكل، وانتقالات، فكلنا إلا قلة قليلة من أسر متوسطة أو بسيطة، كأغلب فئات المجتمع المصرى، ولكن تضاف علينا أعباء المهنة من مظهر لائق يكلف المزيد من المال، وانتقالات مضاعفة تتكلف الكثير من النفقات التى لا توفرها المؤسسات الصحفية غالباً، فيتحملها الصحفى كلها أو جزءاً منها رغبة منه فى التميز وتحقيق السبق، وصناعة اسم صحفى معروف، ومع كل همومه الشخصية، يحمل هموم المجتمع كله على عاتقه، ومن هنا تكون أحمال الصحفى وأوجاعه مضاعفة وصامتة.

ننحى همومنا جانباً، ونشتعل فرحة وحماساً حين نحقق سبقاً، أو نكشف فساداً، أو نقدم للمواطن خدمة لحل مشاكله، فيما تتوارى احتياجاتنا ومشاكلنا، ونظل نؤجلها، ونؤجلها... وللحديث بقية.

[email protected]