أوراق مسافرة
حين تخلع عنك وجه العالم الخارجى، لتعود إلى وجهك الطبيعى الطيب الذى تعرفه بين جدران بيتك، وتعتصرك رغمًا عنك مرارات كل ما عانيت منه فى يومك، صخب، زحام، فوضى أخلاقية، ظلم، قهر، تعقيدات دون مبرر، وتشعر أنك خرجت للتو من معركة غير متكافئة أنت فيها أقلية، وقد أمسك فيها أغلبية من هم خارج بيتك بتلابيب نفسك، روحك ليمزقوها، أو يشوهوها ببصماتهم السوداء، عسى أن تصبح مثل اغلبهم مسخًا دميمًا فاقدًا لكل ملامح الإنسانية والفطرة الطيبة، وليصبح الكل فى واحد داخل كتلة مظلمة ليس بها بقعة من ضوء، مؤكد حين تخلو لنفسك ستسألها هذا السؤال: هل أنا نجوت بالفعل منهم؟، هل عدت سالمًا إلى بيتى بعد كل ما لاقيت»؟
هل أنا على صواب وحدى حين استمسكت بالمبادئ والأخلاق أم هم لأنهم الأغلبية؟، هل سأواصل الصمود والثبات مكانى وإن أغرقنى طوفانهم وهدمني؟، أم يجب أن أتغير لأتماشى معهم وأصير مثلهم، وأحقق مكاسب مثل مكاسبهم فى الدنيا؟ أم أصمد على وضعى المتطهر، وأعزى نفسى بالتفكير فى أن هناك جهنم تنتظر الظالمين الغشاشين آكلى المال الحرام وكل المنحرفين عن الخلق والدين؟ وأن الله سيكافئنى ببشرى الصابرين على مراقبتى له كما يراقبنى وعلى خشيتى منه.
بديهى لسنا فى مدينة فاضلة، فحتى «يوتوبيا» أفلاطون الفيلسوف اليونانى أو مدينته الفاضلة التى حلم بها، جحده فيها نظيره البريطانى توماس مور ولم يفترض لها وجودًا فى الواقع، بل وهدم حلم أفلاطون المثالى وقدم قصته حول الـ«يوتوبيا» كمدينة ليس لها مكان، وعاصمتها شبحية بلا وجود، ونهرها بلا ماء، وشعبها ليس له أرض، وحاكمها بلا شعب، أى فى مجمل القول، المدينة الفاضلة شيء مستحيل تحقيقه على أرض الواقع، فى عالم يسير من سييء إلى أسوأ، يتطاحن، يتصارع، يتقاتل من أجل مكاسب مادية أو سلطة أو نفوذ، أو شهوة زائلة، أو حتى لمجرد إثبات القوة لفرض شريعة الغاب.
لكن المتطهرين لا يزالون يؤمنون أن كل هذا المستحيل فى وجود عالم مثالى يتناقض مع فطرة الخير التى جبل الله عليها الإنسان، ورغبة كل بنى آدم فى الحياة فى سلام وبصورة آمنة، داخل مجتمع تحكمه الأعراف الدينية والاجتماعية القويمة، والتقاليد السياسية المحترمة، وهى رغبة داخلية لا تفارق حتى اكثر الناس شذوذًا فى الأخلاق وانحرافا فى الدين.
لذا، أيها المتطهرون أرجوكم لا تتغيروا، لا تفارقوا طهارتكم لتسيروا خلف قطيع الأغلبية، انتم بقعة الضوء التى تمنح المجتمع الأمل فى الخير والعدالة حتى وإن تأخرت، مؤكد شعوركم بالقهر والظلم يمزقكم، الوهن والعجز يحاصركم وقد زادت حلقات الفساد، والموازين المقلوبة تظهركم كمنبوذين ومكروهين، لأن صوتكم فى الحق يكرهه الظالمون، ولأن إعلائكم رايات الشرف الأخلاق يكرهه المندسون، رفضكم للفساد يكرهه الفاسدون، ورفضكم للحرام والرشوة، يكرهه المرتشون، اعلم أنه يتم الكيد لكم وتحرمون غالبًا من حقوقهم، فيما يستلبها آخرون.
وبديهى تحليكم بالصدق والصراحة يجعلكم تحصدون عداء المنافقين والأفاقين، ووفائكم وإخلاصكم يدهسه الخائنون، كرهكم وعطائكم يستحله الطامعون، تضحيتكم وإيثاركم يستنزفه الآخرون، حيادكم وكرامتكم يستغلها المتسلقون والمتنطعون على الأبواب ليحصلوا على المكاسب والمناصب، وقناعتكم تترك المجال للمتكالبين، تواضعكم يخلى الساحة للمغرورين المتكبرين، فتتعملق الأقزام وتستأسد الأشبال اللئام، كثيرًا هو ما تعانونه، ولكن بشراكم أيها المتطهرون الصابرون، ولعنة الله على أعوان الشياطين، من تحدى بهم الشيطان ربه فقَالَ لربه « فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ، لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ» وهذا هو رد الله على أعوان الشياطين وصدق الله العظيم.