رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

طلة

عندما ينتصف الشىء تكون فرصة للمراجعة والتأمل فيما مضى، حتى يمكن تحقيق أكبر استفادة من نصفه الثانى. انتصاف الشيء يعنى أن يتوقف الإنسان قليلا مع نفسه. هذه ليست مثالية، ولكنها محاولة مع النفس لتصحيح الأخطاء التى مرت بها فى النصف الأول. هذا الكلام ينطبق على الأشياء المادية وكذلك المعنوية. فمثلا لو كنت فى طريقك لمكان ما، سواء كنت راكبا أو راجلا، تجد نفسك تتوقف عند بعض النقاط لتتأكد ما إذا كنت تسير فى الطريق الصحيح، أم أنك انحرفت عن وجهتك وتحتاج إعادة تصحيح. هذا تصرف تلقائى. فلو كنت مسافرا للإسكندرية مثلا ودخلت المحطة، والقطار يتحرك ونجحت فى الولوج داخله فى آخر لحظة تظل تسأل كل من يقابلك هل هذا هو قطار الاسكندرية ام لا. من العبث لو اكتشفت انك مع تسرعك ركبت قطار الصعيد ثم تستمر فيه معتقدا أنه سيصل بك الاسكندرية. هنا تتحين اقرب محطة يصلها القطار ثم تغادره لإعادة تصحيح المسار وركوب قطار اسكندرية.

وعلى المستوى المعنوى لو شعرت أنك قد بلغت مرحلة منتصف العمر ولو نسبيا، فلن تكون منصفا أو عاقلا لو لم تقف مع نفسك قليلا لتناقش معها كشف الحساب عما مضى. كلنا بشر وكلنا نخطئ فى تقدير بعض المواقف فنتخذ من القرارات ما يحيد بنا عن أهدافنا التى خططنا لبلوغها. فلو مر من عمرك مثلا أربعون سنة، هذا لو اعتبرنا الأربعين منتصف العمر مجازا، ولم تحقق أى هدف مما خططت له فلابد أن هناك خللا ما يستوجب عليك التوقف والمراجعة لعلك تدرك فى النصف الثانى، هذا لو افترضت أنك ستعيش أربعين اخرى، فتكون أمامك فرصة لتحسين النتائج قليلا. حتى لو ظننت بأنك ستعيش لآخر الزمان، فليس منطقيا أن تكون اقتربت من الستين مثلا أو السبعين وربما أكثر دون أن تجرى هذه المراجعة ولو مرة. لو كان الشيء قابلا للقسمة ثلاثة أنصاف لربما كان مبررا للمماطلة والتسويف، حيث لو فاتتك المراجعة قبل النصف الثانى، سيكون هناك فرصة فى النصف الثالث، لكن كل نظريات الرياضة الحديثة وحتى القديمة تقول إن الشيء لا يوجد به أكثر من نصفين اثنين فقط.

تشغلنى قضية النصف الثانى هذه كثيرا، خاصة فى شهر رمضان المبارك، حيث الشعور بالزمن والوقت فى هذا الشهر مختلف تماما عن أى وقت فى أى شهر آخر. فى رمضان نحن نراقب الزمن يوما بيوم ولحظة بلحظة، وربما لهذا السبب خصه المولى عز وجل شهر رمضان بوصف «أياما معدودات»، فمن ناحية المنطق والعقل كل شهور الله أيام معدودات، لكن الأمر فى رمضان يختلف تماما، ففى كل يوم يمر من رمضان تشعر أنك تفقد عزيزا ذهب وربما لن يعود مرة اخرى على الأقل فى هذا العام، حتما سيعود فى العام القادم وأعوام كثيرة مقبلة، لكن لا أحد منا يستطيع ان يجزم انه سيكون وقتها على قيد الحياة أم لا. لذا يزداد شعورك بالغربة عندما ينتصف رمضان، فكل لحظة تمر بعد المنتصف تؤكد لك أن النصف الثانى سيكون أسرع فى الرحيل من النصف الأول. لذا تتضح حاجتنا للوقوف مع أنفسنا بعد مرور نصف رمضان الأول نحاول أن نعوض ما فاتنا منه فى النصف الثانى، لأنك مهما فعلت تظل دائما تشعر بالتقصير فى حق هذا الشهر الكريم، خاصة لو اكتشفت أن ما أعطيته من اهتمام للطعام والشراب والترفيه عن النفس فى رمضان هو عكس المقصود من حكمة الصوم التى من المفروض أن تنتهى بنا إلى التقوى والتفكر لا إلى التخمة والأنتخة.

وإذا كانت الحكمة تخرج عادة من أفواه المجانين، فربما تخرج فى رمضان من أفواه الصائمين، لذا خذها منى حكمة: «نحن نقضى النصف الأول من رمضان متطلعين إلى النصف الثاني، ونقضى النصف الثانى نادمين على النصف الأول.. وكذلك العمر»!

[email protected]