حينما أطلقت الولايات المتحدة القنبلتين الذريتين على ناجازاكى وهيروشيما فى اليابان أواخر الحرب العالمية الثانية، لم يكن هناك أى مشكلة، على الرغم من وقوع الآلاف من الضحايا، وإصابة الآلاف بأمراض لم تعرفها البشرية من قبل، ولم يتسبب تدمير مدينتين تدميرًا شاملًا فى وجود أزمة مادية أو أخلاقية لدى الدول العظمى المشاركة فى الصراع، المهم أن الانتصار قد تحقق، وأصبحت الولايات المتحدة سيدة العالم بلا منازع بعد أن حققت الأمن المطلق الذى كانت تسعى إليه.
ولم يكن لدى الولايات المتحدة أيضاً أى أزمات فى استخدام هذا السلاح الأعظم مرة ثانية، إذا اضطرتها الظروف لذلك، فلم تكن تخشى عقابًا مماثلًا، فلا أحد سواها يمتلك السلاح الذرى وقتها، مما جعل كلمتها أمرًا ومشيئتها قدرًا تفرضه على الجميع.
حتى استيقظت هذه الإرادة الأمريكية المطلقة ذات صباح على خبر إعلان الاتحاد السوفيتى امتلاكه للسلاح النووى، لتفقد أمريكا بعدها حريتها المطلقة فى فرض مشيئتها على العالم، وكان هذا الخبر نقطة فاصلة فى الصراع العالمى.
ليصبح السلام العالمى بعدها– فى ظل القوة النووية– يعنى منع استخدام هذه الأسلحة فى أى تصادم أو مواجهة، وبدأت نظرية الحرب المحدودة والاحتواء الصارم فى الظهور، بديلًا عن الصدام والحرب الشاملة بين القوى العظمى.
فالحرب بالوكالة أو الحرب المحدودة تتسم ببطء الحركة، وعدم الاستمرار تتخللها فترات توقف، مما يساعد على التحكم فى مراحل هذه الحرب، وتكون فترات التوقف تلك، فترات للتفاوض وإعادة الحسابات مرة أخرى، لتعمل الدبلوماسية للوصول إلى تسوية النزاع، وإذا لم يقم العدو بإعادة حساباته بشكل معقول، فالجولة القادمة من الصراع سوف توجه له ضربة أكثرعنفًا، تبعًا لمبدأ التدرج فى استخدام القوة.
والغزو الروسى لأوكرانيا يختلف هنا عن مفهوم هذه الحرب المحدودة، نظرًا لوجود أحد أقطاب الصراع العالمى مباشرة كأحد طرفى الصراع وليس إدارة الحرب بالوكالة، وهنا مكمن الخطر الذى قد يقلب الموازين، ويجعل من أصحاب نظرية استحالة وقوع الحرب النووية الشاملة، أن يعيدوا نظرتهم مرة أخرى، رغم معرفة وإيمان الجميع، بأن الحرب النووية ليست فى صالح أحد، وأنها ستكون انتحارًا للجميع.
تصاعدت لهجة إعلان الحرب العالمية الثالثة فى الأفق أمس الأول، بعد غرق السفينة الحربية موسكفا أو سلافا – سيدة أسطول بوتين البحرى فى البحر الأسود– حسب ما أفادت وزارة الدفاع الروسية عبر وسائل الإعلام الرسمية، أو تدميرها وفقًا لتقارير وسائل الإعلام الأوكرانية بصواريخ نبتون، حيث قال التليفزيون الرسمى الروسى إن «الحرب العالمية الثالثة» قد بدأت، بعد غرق السفينة «موسكفا»، وتم استخدام كلمة «حرب» المحظورة فى روسيا، بدلًا من «عملية عسكرية خاصة»، منذ بداية الهجوم الروسى على أوكرانيا..
جاءت عملية تدمير«موسكفا» أو غرقها لتجرح الكبرياء الوطنى لبوتين وروسيا ككل، ونظرًا لأن الزعماء السياسيين هم بشر، فإن رد الفعل والشعور بإثبات الذات، قد يحول الصراع فى أوكرانيا لحرب عالمية ثالثة، ومواجهة شاملة، وتتحول أوكرانيا من سلة غذاء العالم، إلى بوابة الجحيم لانتحار الجميع.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض