نستكمل حديثنا اليوم مع تفصيل محمد قطب الحديث أكثر عن واقع الأمة المسلمة، مبينا أنها انحرفت كثيرا، في اطراد وتوافق تام مع أفكار أخيه سيد قطب حتى في طريقة التعبير واختيار الألفاظ، حيث يقرر أن المجتمعات الإسلامية قد أدركتها بالتدريج جهالة الجاهلية، ففصلت العقيدة عن الشريعة، وأخذت الدين عقيدة مستسرة في القلب منقطعة عن الواقع، بينما الواقع يحكمه منهج الله، لكن اليوم لم يعد دين الله هو المحكم في واقع الأمة الإسلامية ومن ثم لم تعد أمة مسلمة، حتى وإن كانت لا تزال تتسمى بأبناء المسلمين وتصلي أحيانا وتصوم ! ، يجيب محمد قطب قد انحلت أخلاقها، فلم تعد تصدق، ولا تخلص، ولا تستقيم في المعاملة، ولا تقوم بينها روابط الإنسان ، ثم زادت فانزلقت في تيار الجنس الجارف، وفي مصائد اليهود، وبذلك خرجت عن كل الإسلام
هذه القضية في الموقف من المجتمعات الإسلامية ما زالت تلاحق محمد قطب في كل كتاب، وحين أقام في السعودية، وأصدر كتابه "واقعنا المعاصر" منتصف الثمانينات، الذي كان قد حمل رسائل إلى شباب السعودية والخليج عموما، طرح هذه القضية مجددا تحت فصل بعنوان "قضية الحكم على الناس" ، أولئك الناس الذين لم ينضموا إلى صفوف الحركة، ويصبحوا من أفراد القاعدة الصلبة التي تتلقى الإعداد والتربية ، والسؤال الذى يطرح نفسه هنا عزيزى القارئ هل نحكم عليهم بأنهم مسلمون أم كفار؟
محمد قطب الذي لم يتوان عن إطلاق وصف الجاهلية على الواقع المعاصر بأسره (أنظمة ومجتمعات ومناهج ومؤسسات... إلخ) ، ولقد وجد نفسه مضطرا لطرح هذا التساؤل والإجابة عنه، حيث يقول (حول هذه القضية ذهب أناس حد التطرف من الجهتين، بين من يقول إن الأصل في الناس الإسلام ما داموا يقولون لا إله إلا الله، وبين من يقول بأن الأصل في الناس الكفر ما لم يثبت العكس ، وكلا الفريقين متطرفان ، فالأولون يحكمون على الناس بالنية وحدها دون العمل، والآخرون يحكمون على العمل وحده بصرف النظر عن النية)
حاول قطب الابتعاد عن المواجهة المباشرة للسؤال، مؤكدا أن "قضيتنا الأولى والكبرى ليست الحكم على الناس، وإنما قضيتنا هي تعليمهم حقيقة الإسلام، فلا ينبغي أن تشغلنا هذه القضية أصلا، ولا أن نجعلها محور ارتكازنا في الدعوة ، فالأولى أن ننصرف إلى تعليم الناس ما جهلوه بدلا من الحكم عليهم" ، ولقد استطرد قطب في التفصيل ووضع المقدمات قبل الوصول إلى إجابة تفصيلية حول هذا السؤال الحساس، لكنه في الأخير وصل إلى نتيجة بعد أن تدبر خط الانحراف الطويل والغزو الفكري الذي طال مجتمعات العالم الإسلامي ، قائلا إن الجواب الذي يحسم هذه القضية حسما كاملا، هو أن من وصلته دعوة الحركة الإسلامية فأبى وأصر " بعد البيان والتعليم " ، فهو الكافر بلا شبهة، وأما من أجاب الدعوة فهو المسلم بلا شبهة!!
بهذا الجواب يقارب محمد قطب أفكار شكري مصطفى مؤسس جماعة التكفير والهجرة التي تؤمن بقاعدة "الوقف والتبين" التي تقوم على اعتبار مبدأ التوقف في الحكم على أي مسلم ليس عضوا في الجماعة (جماعة المسلمين، كما يسمونها) فلا يحكمون له بكفر أو إسلام حتى يتبين كفره من إيمانه، وهذا التبين يكون عبر عرض فكر الجماعة عليه، فإن وافق وانضم إليهم صار مسلما، وإن رفض حكموا بكفره ، كان هذا الموقف الصريح بتكفير المجتمعات الإسلامية هو السائد بين كوادر جماعة الإخوان، خصوصا المعتقلين في السجون إبان الفترة الناصرية، وللحديث بقية
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض