لأول مرة فى عمرنا نرى حروبًا ودمارًا فى أوروبا وطائرات تقذف ودبابات تصول وتجول وطوابير تهجير لنساء وأطفال، تمتد على الحدود ومخيمات باردة وملابس ملقاة على الأرض كمساعدات لمن يحتاجها، وحملات لتوفير الطعام لما يقرب من 5 ملايين شريد أخرجتهم القنابل والصواريخ من منازلهم إلى متاهات السياسة والتحالفات والتصريحات الجوفاء، ورئيس دولة مسالمة وضعيفة يتحدى دولة عظمى ويصر على المقاومة وعدم الاستسلام المهين، ويفتح باب-الجهاد- فى بلاده لمن يرغب! وحلفاء يتنكرون ويماطلون ويتحفظون ويتجاهلون ودول أوروبية تتلكأ فى تقديم المساعدات وأخرى تسفر عن عنصريتها بلسان الحزن والغضب على مواطنين عيونهم زرقاء وشعرهم أصفر يقتلون ويصابون ويشردون فى العراء، وأن الضحايا هذه المرة منهم وليسوا من العراق ودول الشرق الأوسط.
ومناشدات للرئيس الروسى بوقف القذف والالتزام بحظر الضرب الجوى للسماح للاجئين بمغادرة البلاد فى سلام، والدخول فى مفاوضات لحل الأزمة مع أوكرانيا. نحن لأول مرة نرى الحروب فى دول بعيدة عنا ولكن تأثيرها سيمتد لكل الدول حيث يأتينا القمح وبعض السلع المهمة.
الحرب دمار وخراب وليست نزهة أو مغامرة وقذف المدن لا يعنى هدم المنازل والطرق والمطارات فقط ولكنها تدمير للنفوس وقتل للأرواح وطعن للسلم العالمى، لسنوات فالجرح سيطول علاجه، لأول مرة نسمع عن جرائم الحرب واستهداف المدنيين بدم بارد، فى دول المفروض أنها متحضرة ومتقدمة، لأول مرة نرى العالم الغاشم والقوي يقف مع نفسه لبحث الأزمة الإنسانية التى طالت الشعر الأصفر والعيون الزرقاء، وأزمة غذاء تتحرك لها المنظمات العالمية ودولة كانت مزرعة أصبحت أرضها محروقة.
فهل يدرك العالم وخصوصا أمريكا ما فعلته فى الشرق الأوسط؟ لاسيما أن بوتين كشف عن الوجه القبيح لغزو العراق بلا مقتضى سوى البترول والطمع فى ثروات الشرق الأوسط الذى يعتبرونه غريبًا عن الإنسانية.
قد تكون الحروب فرصة للعالم أن يرى الوجه القبيح وغير الإنسانى للحرب والدمار ومخرج لمخرجى الدراما لتسجيل لقطات حية للقذف والموت والتهجير بدلا من لقطات الفوتوشوب للحروب فى أفلامهم، وثراء لتجار الحرب فى كل مكان.
غزو روسيا لأوكرانيا لن يمحى من ذاكرة العالم الأصفر وآثاره النفسية والسياسية ستكون محل دراسات وتحليلات الباحثين ونقطة على أجندة المؤمرات والأطماع، وستخلق طرق أخرى لحل الصراعات وتحالفات جديدة وسقوط دول وقيام أخرى، إننى أتمنى سرعة زوال هذا الشبح الذى يضرب الجميع.
وفى مصر سيكون التأثير كبيرًا على السلع الغذائية وخصوصا القمح ومع جهد الرئيس السيسى لعلاج الفجوة أتمنى أن يدرك كل مصرى أهمية الخبز وأن يرشد استهلاكه منه وألا يصرف أكثر من حاجته فكل رغيف لا تحتاجه سيكون فى ميزان حسناتك ودعم تلقائى قد لا تدرك أهميته ولكنه أكيد سيساعد كثيرا جدا على المستوى العام.
وهنا يجب التأكيد على وجود الحكومة بقوة فى المشهد عندما قامت ممثلة فى وزارتى الخارجية والهجرة بالتدخل السريع لإحضار طلابنا فى أوكرانيا وفى الوقت المناسب خصوصا أن الجامعات هناك كانت تنفى حدوث حرب أو حتى مشكلة، وترفض السماح للطلاب بالمغادرة.
حرب الشعر الأصفر والعيون الزرقاء كشفت عن عنصرية العالم المتحضر. والذى يطبق مبدأ -إن جاء الطوفان حط إبنك تحت قدميك- فلا رحمة ولا تعاطف، لقد غابت الإنسانية الذى كان الغرب يتشدق بها. اللهم احفظ بلادنا من أهوال الحروب ومن أطماع القوى الغاشمة التى لا تعرف الإنسانية ولا تعترف بحق البشر فى حياة آمنة وكريمة. اللهم احفظ مصر ورئيسها وشعبها وكل الشعوب التى تعيش فى سلام ولا تفرق بين إنسان أبيض وأسود، ولا تريد سوى الأمان والاستقرار.