رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

حكاوى

 

 

 

لم يكن الزعيم خالد الذكر سعد زغلول سياسياً عادياً، وإنما وطنى من طراز رفيع، ولديه شجاعة نادرة لم يسبق لها مثيل. وأكثر من قرأ مذكرات الزعيم قراءة صحيحة العالم الدكتور عبدالعظيم رمضان، الذى قسم حياة الزعيم إلى أربع مراحل.

وأتحدث اليوم عن دور عبدالرحمن فهمى أحد أبرز قادة النضال ضد المستعمر الإنجليزى وأعوانه فى مصر خلال ثورة 1919، وقضى أربعة أعوام فى السجن ما بين 1920 و1924، كما تتناول هذه الحلقة دوره الصحفى الرائد عندما كان مديراً لتحرير «روزاليوسف» عام 1936 ودوره فى الهيئة السعدية وعضويته فى برلمانات أحزاب الأقلية حتى وفاته، ومن خلال رؤية للكاتب أحمد نجيب ومذكرات عبدالرحمن فهمى التى تحكى جانباً من حياته، كما تمت الاستعانة بمراجع «مذكراتى فى نصف قرن» لأحمد شفيق و«سعد زغلول ودوره فى السياسة المصرية» لعبدالخالق لاشين و«موسوعة هذا الرجل من مصر» للمعى المطيعى و«تاريخ مصر» لمحمد فريد.

 

عبدالرحمن فهمى (بك) (1870-1946) أحد أبرز قادة النضال السرى ضد الاحتلال الإنجليزى وأعوانه فى مصر خاصة أثناء ثورة 1919، وقد تذبذب دوره فى الحركة الوطنية المصرية صعوداً وهبوطاً تبعاً لمجريات التطورات السياسية التى مرت بها البلاد.

ولد فى 3 مارس 1870 ونشأ وتربى فى منزل شقيقه الأكبر محمد ماهر باشا صديق الخديو عباس حلمى الثانى ووكيل نظارة الحربية، وهى صداقة كان كرومر يعتبرها السبب الرئيسى فى تحريض عباس ضد الاحتلال، ولذلك أصر كرومر إبان أزمة الحدود عام 1894 على نقل محمد ماهر من وكالة الحربية ولابد أن عبدالرحمن فهمى الذى كان ضابطاً فى الجيش قد تأثر باتجاهات شقيقه المعادية للإنجليز.

ومن الطريف أن نذكر أن المنزل الذى نشأ فيه عبدالرحمن فهمى هو المبنى الذى تشغله حالياً دار الأدباء 104 شارع قصر العينى على يمين القادم من ميدان التحرير، وقد خصص الدور السفلى منه (البدروم) لأعمال الجهاز السرى الذى تولى قيادته وقت أن كان سكرتيراً عاماً للجنة المركزية لـ«الوفد» التى تشكلت فى 23 نوفمبر 1918.

وينحدر عبدالرحمن فهمى من أصول شركسية وهى أصول نبت منها العديد من الأسر فى مصر مثل الأسر الأباظية ولا يعنى ذلك أن تلك الأسر غير مصرية أوأنها كانت أقل وطنية من غيرها فقد عرفت مصر خلال تلك الفترة التى برز فيها عبدالرحمن فهمى فى ميدان العمل العام ابتداء من العقد الأخير من القرن التاسع عشر، عرفت عملية مكثفة لتمصير أبناء هذه الطبقة التى انتمى إليها زعماء وطنيون قبل فرض الحماية على مصر مثل محمد فريد نفسه أوكبار رجال دولة بعد ذلك مثل عدلى يكن وعبدالخالق ثروت.

لقد التحق عبدالرحمن فهمى بالمدرسة الحربية وتخرج فيها عام 1888 واشترك فى الحملة المصرية بقيادة كتشنر لاسترداد دنقلة وبعد الحملة انضم للمعية الخديوية وفى عام 1896 عين ياور لناظر الحربية مصطفى فهمى.

وقد أثر التعليم العسكرى على مسيرة حياة الرجل مما يمكن أن نلحظه فى أكثر من جانب فهذا النوع من التعليم هو ما أعطى للرجل طابعه الذى عرف عنه بالشدة والصرامة وهو ما شهد به مجموع الشهود الذين استدعتهم المحكمة أثناء محاكمته عام 1920 فى قضية المؤامرة الكبرى.

وهذا النوع من التعليم هو الذى أهل عبدالرحمن فهمى للنجاح الباهر الذى أحرزه خلال عمله سكرتيراً للجنة المركزية لـ«الوفد» ومنظماً للعمل السرى لثورة 1919، فهو بالإضافة إلى ما يتمتع به من عقلية تنظيمية قادرة على إدارة مثل هذا العمل كان فى الوقت نفسه كتوماً وقادراً بالتالى على الإمساك بخيوط العمل بين يديه.

 

 

وأخيراً فإن هذا النوع من التعليم كان الباب الذى دخل منه الرجل إلى الوظائف العامة التى شغلها خلال المرحلة الأولى من مراحل العمل العام فقد تقلب بين المناصب البوليسية والمناصب الإدارية، ففى عام 1901 نقل إلى خدمة البوليس وتنقل فى مناصبه فعين مأموراً لمركز سمالوط ثم بنى مزار ثم إمبابة.

وبين عامى 1902، 1903 عين وكيلاً لمديرية القليوبية ثم وكيلاً لمديرية الدقهلية وفى عام 1906 عين مديراً لمديرية بنى سويف، وفى عام 1908 عين مديراً لمديرية الجيزة وكانت من المديريات الكبرى التى لا يتولاها إلا شخصية مرموقة.

وفى الجيزة بدأت المتاعب التى واجهت عبدالرحمن فهمى والتى يرجع سببها فى تقديرنا إلى تمسكه باستقلاله فى اتخاذ القرار وهو ما لم يعد متاحاً فى ضوء التطورات التى جرت منذ الاحتلال البريطانى لمصر عام 1882 وما سارت عليه السياسة الإنجليزية منذ ذلك الوقت من هيمنتها على الإدارة المصرية فى البداية من خلال المستشارين الإنجليز الذين عينوا فى النظارات، ثم بعد ذلك من خلال عشرات من كبار وصغار الموظفين الذين انبثوا فى الإدارة المصرية فى القاهرة أوفى المديريات ومع هؤلاء اصطدم عبدالرحمن فهمى، حيث دب الخلاف بينه وبين المستر أيرلند مفتش رى مديرية الجيزة الذى استطاع أن يؤلب عليه زملاءه فى نظارات الأشغال والمالية والداخلية.

وانتهى الأمر بمواجهة بين الرجل والمستر هيزل مستشار الداخلية بحضور محمد سعيد باشا رئيس النظار وناظر الداخلية وحدد المستشار الإنجليزى طلباته فى أحد أمرين: إما إبعاد عبدالرحمن فهمى عن مديرية الجيزة وإما إحالته إلى المعاش، وانتهت المشكلة بنقله إلى وكالة الأوقاف فى عام 1911 بعد أن فشلت وساطة محمد

سعيد.

وفى الأوقاف اصطدم بالخديو بشأن صفقة أطيان المطاعنة على نحو دفع الخديو إلى إحالته إلى المعاش عام 1913 ولم يدخل الرجل بعد ذلك قط فى خدمة الحكومة.

لقد كان عبدالرحمن فهمى شأن كثيرين من قيادات العمل السياسى ينتمى إلى طبقة كبار الملاك ما يمكن استنتاجه من أكثر من حقيقة، فهو فى مقابلة لـ«اللنبى» هو وأعضاء اللجنة المركزية لـ«الوفد» طلب المندوب السامى من كل منهم أن يذهب إلى عزبته فأجاب عبدالرحمن فهمى بأنه ليس عنده عزبة وعندما سأله ممثل بريطانيا فى مصر عن السبب رد بأنه قد باعها منذ وقت قصير، ثم أنه فى محاكمته فى قضية المؤامرة الكبرى اعترف بأنه قبيل المحاكمة سحب مبلغ 7500 جنيه من حسابه فى البنك ليشترى 50 فداناً فى القليوبية.

وقد مكنه انتماؤه الاجتماعى من الاتصال بالطبقة والتأثير فيها مثال على ذلك ما رواه فى «صفحات مطوية من أيام الجهاد» بمجلة «الدنيا المصورة» 7 يناير 1931 عن أن شخصين من كبار رجال الحزب الوطنى فى الإسكندرية كانا فى طريقهما لأوروبا لتشكيل وفد آخر بكل مردودات هذا العمل من إضعاف الوفد المصرى فاستعان ببعض السيدات اللائى كن يعملن فى صفوف الحركة الوطنية لإقناع حرمى الشخصين عضوى الحزب الوطنى بأن قيام نفر من أبناء الأمة ضد إرادة المجموع عمل ينافى الوطنية الصحيحة ويلصق العار بفاعله أبد الدهر.

ومن حسن الحظ أن هاتين السيدتين اقتنعتا تمام الاقتناع بصدق هذه النظرية فحالتا بين زوجيهما وبين القيام بهذا السفر بعد أن كادت محاولتهما تؤدى إلى الطلاق.

وقد أثر هذا الانتماء الاجتماعى فى جانب آخر وهو أنه كان محل ثقة سائر أعضاء الوفد فى تدبير نفقات العمل السرى الذى تولى تنظيمه وهو عمل يكون من حق المسئول الأول عنه دفع مصروفاته دون الإفصاح عن وجوه الصرف.

لقد شئنا أن نسرد هذه التفصيلات حول نشأة عبدالرحمن فهمى وتكوينه وأعماله قبل قيام ثورة 1919 لأنها تلقى أضواء على شخصية هذا الرجل، ذلك أنه من أوضح جوانب هذه الشخصية اعتدادها بنفسها وبكرامتها وشدتها فى الحق وإحساسها بجسامة المسئولية، فضلاً عن أنه أثناء خدمته بالجيش والإدارة وكثرة التنقل بين مراكز متعددة بين الوجهين القبلى والبحرى اكتسب معرفة واسعة بأحوال مصر وصلة واسعة بالشخصيات والاسر أفادته أيما فائدة فى قيادة الحركة السرية التى رفعت لواء المقاومة ضد الإنجليز.

تلك هى المرحلة الأولى من حياته، مرحلة اشتغاله بالعمل العام، أما المرحلة الثانية فهى مرحلة نضاله السرى التى سوف نتناولها فى تبيان دوره فى الحركة الوطنية.

وتأتى المرحلة الثالثة من مراحل حياته عندما بدأ بتدوين مذكراته جاعلاً نقطة البداية فيها لقاء 13 نوفمبر 1918 الشهير وتنتهى بالخلاف الذى تفجر بينه وبين سعد زغلول عام 1926 والذى اعتزل بعده الحياة السياسية برمتها، وإن كان قد امتد بكتابة مذكراته لعام آخر بعد ذلك وحتى وفاة سعد زغلول فى 23 أغسطس 1927.

وقد أسقط من هذه السنوات نحو أربعة أعوام قضاها عبدالرحمن فهمى داخل السجن بين أول يوليو عام 1920 حتى أوائل عام 1924 بعد أن تمت محاكمته مع سبعة وعشرين معه بتهمة إنشاء جمعية سرية باسم «الانتقام» كان الغرض منها خلع السلطان أحمد فؤاد وقلب حكومته والتحريض على العصيان والقتل.

وهناك إجماع بين المؤرخين على أن هذه القضية ملفقة، كما أن عبدالرحمن فهمى فى مذكراته غير المنشورة يؤكد هذه الحقيقة، ويروى الرافعى أن تلفيق هذه القضية يرتبط بهدف إنجلترا فى تصفية المنظمات الثورية الموالية لـ«الوفد» حين بدأ الوفد المفاوضات مع ملنر فى أوائل يونيه 1920 وبالذات ارتباط هذه القضية بموضوع استفتاء الامة بشأن مشروع التسوية (مشروع ملنر)، فقد كانت السلطات البريطانية تخشى من الدور الذى يمكن أن يقوم به عبدالرحمن فهمى وأجهزته ضد هذا المشروع الذى كان سعد زغلول يرفضه بينما قبله الكثيرون من أعضاء الوفد.

ويروى عبدالرحمن فهمى كيف أحس بأن شيئاً يدبر له من أن أشخاصاً مجهولين لم يعرفهم من قبل القبض عليه يطلبون منه الاشتراك فى أى عمليات اغتيال للإنجليز وفهم عبدالرحمن فهمى أنهم موعز إليهم بهذا من قبل الداخلية، وانتهت محاكمة عبدالرحمن فهمى فى أكتوبر 1920 بصدور الحكم بإعدامه ثم تخفيضه إلى خمس عشرة سنة.