تمتد جذور روسيا وأوكرانيا إلى «كييف روس»، الدولة السلافية الشرقية العريقة. فلطالما تحدث بوتين عن شعب واحد، لكن بعيد استقلال أوكرانيا عن الاتحاد السوفيتى 1991، أظهرت كييف ميلًا واضحًا تجاه الغرب تحول فيما بعد إلى سياسات عدائية تجاه جارتها، فنشبت بينهما خلافات حادة تحولت إلى صراع عسكرى بين الجيش الأوكرانى وميليشيات انفصالية تدعمها موسكو، لكن بسرعة تحرك الوسيطان الفرنسى والألمانى لإيجاد حوار أطلق عليه «صيغة نورماندى» ركز على تهدئة الصراع المحتدم، حتى تمكن كل من بوتين وبوروشينكو من إبرام اتفاقية مينسك 2015.
لكن الاتفاقية لم تصمد طويلًا، بسبب اتهام موسكو لكييف بقمع ذوى الأصول الروسية فى دونباس، وهو ما اعتبره الكرملين انتهاكا واضحا لاتفاقية مينسك التى منحت الانفصاليين صلاحيات حكم ذاتى واسعة، لكن كييف نقضت عهودها بسبب الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية للإقليم الغنى بالفحم والقمح والمراكز الصناعية الثقيلة، فكان ردة فعل الميليشيات إنشاء جمهوريتين مستقلتين: دونيتسك ولوهانسك اللتين اعترفت بهما موسكو، بالإضافة لقلق موسكو العميق من تنامى النشاطات الاستفزازية لحلف الناتو فى البحر الاسود، والإصرار على ضم كييف إلى الحلف الأطلسى الذى اعتبرته بمثابة إعلان حرب، فحذرت كهنة الأطلسى بعدم تجاوز الخط الأحمر، ولكن لا حياة لمن تنادى.
البعض يبدى استغرابًا للتطور الدراماتيكى للاحداث، ويتساءل ببراءة عن دوافع بوتين، بالرغم من كلفة المخاطر الباهظة، فقد أعلن بوتين قبل لحظات من بدء الغزو، أن روسيا لا تستطيع أن تشعر «بالأمان والتطور والوجود»، بسبب ما وصفه بالتهديد المستمر من أوكرانيا الحديثة بعدما أصبحت كييف مخلب قط يستخدمه الغرب لتقليم أظافر الدب الروسى، فهى تعترض بشدة على مشروع نورد ستريم 2 لنقل الغاز إلى ألمانيا لأنه سيحرمها وبولندا من مليارات اليورو كرسوم للعبور، فروسيا تتمتع بأكبر احتياطيات الغاز فى العالم، لكن أوكرانيا هى من ورثت خطوط الأنابيب، ومنذ ذلك الحين، اختلف البلدان حول هذا الإرث.
وقد صرح زيلينسكى بأن نورد ستريم 2 سلاح جيوسياسى خطير بيد الكرملين، وقال إن عواقبه ستكون وخيمة على أوروبا بأسرها، وهنا بيت القصيد، فكأن بوتين خرج للتو من رائعة الكسندر دوماس الكونت دى مونت كريستو شاهرًا، سيفه فى وجه من اذلوا هيبة الامبراطورية القيصرية، وقرر إعادة هندسة المحيط الجيوسياسى لبلاده، وفق رؤية جسورة تقوم على جعل طموحات حلفاء أوكرانيا هباءً منثورًا، فهم ضعفاء، لم يحركوا ساكنًا واكتفوا بالشجب والادانة وربما الصلاة، وأراد جعل أوكرانيا امثولة لكل من تسول له نفسه من جمهوريات الاتحاد السوفيتى السابق الذين لم يعوا الدرس الجورجى جيدًا 2008، والذى انتهى بهزيمة نكراء سجن على اثرها رئيسها ساكشفيلى والآن يأتى الدور بتدمير البنية التحتية العسكرية للمهرج الصغير بما لا يسمح لأوكرانيا بأن تحارب لفترة طويلة.
إذًا لا مفر أمام بوتين من خلق حدود جديدة، بتقسيم بعض المناطق مرة أخرى فيجب أن تسقط كييف اولا لفرض وضع ديموجرافى جديد، فالهزيمة الميدانية والمعنوية لحلف الاطلسى تجعله ممسكا بكل خيوط اللعبة، عندئذ يبدأ لاعب الشطرنج الماهر بالحوار على صفقة شاملة، فهدفه الاستراتيجى هو كسر الصلف الأمريكى وطرده من حديقته الخلفية بإنشاء كيانات محايدة على النمط الفنلندي.
يدرك بوتين أن العالم لا يفهم الا لغة القوة لفرض رؤيتك، أو المحافظة على امنك القومى. أيها السيدات والسادة اربطوا الأحزمة فحقبة جديدة من تاريخ العالم تبدأ الآن.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض