كنوز الوطن
فى حياة كل إنسان محطات فارقة، قد تثقله وربما تفقده كثيرًا من مهاراته، قد تجعله أكثر قدرة على مواجهة متاعب الحياة، وقد تجعله ضعيفًا قلقًا مترددًا، ومن أهم المحطات التى أعتبرها ليست فقط فارقة فى حياتى، بل حاسمة، هى محطة كلية الدفاع الوطنى بأكاديمية ناصر العسكرية العليا التى قضيت فيها عامًا، كان فاصلًا فى حياتى، ساهم فى تغيير شخصيتى بشكل كامل، فقد أكسبتنى الكلية كثيرا من الصفات التى أثقلتنى وزادت قدرتى على التعامل مع المواقف، وتحليل وقراءة السيناريوهات واستخلاص النتائج، عرفت داخلها معنى الأمن القومى والمصالح العليا للبلاد وكيف تصنع القوة، وتمتلك عناصرها الشاملة وتواجه المؤامرات، وكيف تصبح فاعلًا وكيف تمتلك قرارك وتحدد مصيرك، كيف تقرأ خريطة التشابكات الدولية والعلاقات بين الدول، ومسارات المصالح، وكيف تفهم مصادر القوة ونقاط الضعف لكل طرف، قيمة الدولة الوطنية ومؤسساتها ورسالتها، وكيف تدار حروب التدمير الذاتية للدول ومفهوم الفوضى ومن يديرونه وكيف نتعامل معهم.
ساهمت أيضاً فى أن يكون تفكيرى استراتيجيا، لا أتعامل بعشوائية ولا اتخذ قرارا بانفعالية، وإنما كل ملف يحصل على حقه فى الدراسة، وكل قرار لا يصدر إلا بعد تدقيق وتحليل.
أكسبتنى أيضاً على المستوى الشخصى ثقة فى النفس، وقدرة على مواجهة المواقف الصعبة، ومهارة فى التعامل مع الصدمات واستقراء المستقبل عن علم وليس ادعاء، كل هذه مهارات اكتسبتها وأسهمت فى تغيير نمط تعاملى فى الحياة، ولا اخفى أن بعض زملائى لمسوا هذا فى تعاملهم معى، واجابتى دائمًا لكل من يسألنى عن السبب فى هذا التغيير أن كلمة السر هى كلية الدفاع الوطنى، بمن تضمهم من علماء وقادة كبار أصحاب خبرات ضخمة وعلم وجدية وحسم، لا تخلو من إنسانية تمكنهم من صناعة التغيير فى شخصية كل الدارسين، والأهم كيف يصبح الإنسان قائدًا بكل ما تعنيه الكلمة من مواصفات وسمات وقدرات خاصة ومواهب، بكل حق استطيع أن أعتبرها المحطة الأهم فى حياتى، ليس فقط لأننى حصلت خلالها على درجة زمالة كلية الدفاع الوطنى دورة 46 عام 2017 وأنما لانها صنعت منى إنسانا مختلفا تفكيرًا ورؤية وقدرة.
وأكتب هذا المقال متذكرًا أساتذة أفاضل فى كل الملفات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وهم يقدمون لنا علمهم وخبرتهم بكل حب ووفاء واخلاص، ويشرحون لنا ما يدور داخل مصر وخارجها، وكيف تتم إدارة ملف السياسة الخارجية وحجم التحديات التى نتعامل معها، ومحددات الأمن القومى المصرى ودوائره والمخاطر التى تحيط بنا، لماذا أفريقيا تمثل بعدًا مهما للأمن القومى المصرى، ولماذا تحرص القيادة السياسية على قوة علاقاتنا الدولية وتنويع مصادر قوتنا وفتح مجالات جديدة فى التعاون مع كافة القوى الاقليمية والعالمية.
فى عام لن يتكرر داخل أكاديمية ناصر العسكرية العليا، أيقنت أن كثيرا من الحقائق كانت غائبة عنى مثلما هى غائبة عن أغلب الشباب المصرى، وكثيرا من المهارات كانت تنقصنى وكثيرا من المواقف كنت اتعامل معها دون وعى بطبيعتها أو فهم لعواقبها، واعتقد أن كل من ينضم لكلية الدفاع الوطنى سيدرك كل هذا وستتغير مفاهيم كثيرة عنده، سيرى العالم بشكل مختلف لأنه سيمتلك أدوات التحليل التى تمكنه من الرؤية الصائبة، بعيدًا عن المؤثرات الكاذبة والمعلومات المصنوعة والمواقف الوهمية وميليشيات التوجيه المأجورة على وسائل التواصل الاجتماعى.
وربما يكون من المفيد أن تسعى كل مؤسسات الدولة أن تجد فرصة لشبابها، للانضمام لكلية الدفاع الوطنى، أو الحصول على دورات فى اكاديمية ناصر العسكرية، وستحصد بلا شك ثمارا كثيرة من وراء ذلك فى شخصية هؤلاء الشباب، وهذا هو ما لمسته بالفعل دول شقيقة وصديقة، ولذلك لم تتوقف عن ارسال شبابها إلى مصر للدراسة بكلية الدفاع الوطنى، لانها تثق فى قدرتها على صقل مواهب وقدرات هؤلاء الشباب.
بقى أن نعلم أن أكاديمية ناصر العسكرية العليا التى افتتحت فى السـادس من مارس 1965، بحضـــور الزعيم الراحــــل/ جمال عبدالناصر ويمر الآن ٥٧ عاما على افتتاحها، أصبحت إحدى أهم مؤسسات صناعة القادة فى مصر بل وفى العالم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض