جرس إنذار وناقوس خطر دقه الجدل المصاحب لفيلم «أصحاب ولا أعز» كشف الفيلم عن حالة التسلف التى وصل إليها المصريون ليس فقط على المستوى الشكلى والمظهرى، بل وصل إلى بنية التفكير فى المجتمع، فبعد أن كنا نظن أن أمراض الجمود والتخلف هى المصاحبة لبعض المؤدلجين إسلاميًا، لم يعد الأمر كذلك، فما زرعوه خلال العقود الأخيرة قد أنتج عقولًا مشوشة قد أعمتهم عن أى الفهم، وأبعدتهم عن أى تفكير نقدى أو إبداعى فى ظل ضعف المؤسسات الثقافية والفنية أمام قوى الإسلام الموازى لاسيما والمثقفون المستنيرون قد انعزلوا عن المجتمع، معتقدين أن دورهم هو كتاب ينشره أو مقال يكتبه كل حين.
بالطبع أنا لست ضد المتدينين الذين جذبهم روح الإيمان وسموِّه، فزادت من سعة العقل وبصيرته وحلقت بهم فى أفق التأمل الإنسانى العميق فى الله والكون والحياة ولكنى أعنى المتدين الشكلى فى أولئك الذين يقدمون تصورات ساذجة وأفكارًا مغلوطة تاركين وراءهم المنطق، والموضوعية، والعقل، والمعرفة الإنسانية يقدمون أنفسهم على أنهم حراس القيم والاخلاق المتحدثين باسم الأديان.
ولا أعرف كيف يجتمع التدين الذى هو قمة الوعى والالهام الروحى والصفاء العقلى مع هذا التغييب عن المجتمع وقضاياه والحياة وتشابكاتها؟
اعتقد أنه آن الأوان أن نبحث فى صناعة مفكرين ومثقفين جدد ليكون لدينا نخبة ثقافية قادرة على التعاطى مع مشكلات المجتمع وأفكاره تقف سدًا منيعًا ضد محاولات خطف عقول أبنائه قبل أن يتحول المصريون فى غفلة إلى خصوم للعقل، جاهلين بالثقافة وبالإنسانية جنود أوفياء لثقافة النقل دون الفكر أو الجوهر، مغروري بتدينهم، مهووسين بالشكل والزى دون الروح والقلب، قبل أن نجد أبناءنا شككوا فى عقائد الغير، مرتابين من الآخر، يرمون مذاهب ومعتقدات الآخرين بالتحريف، قبل أن يكون جل همهم البحث فى أمهات الكتب عن الجمود والتخلف وكل ما يصطدم مع روح العصر، قبل أن تتحول حريات الرأى والتعبير إلى حوارات فى الكراهية والعنف.
«فيلم أصحاب ولا أعز» ناقوس خطر كاشف ومنبه لمحاولة دراسة التحولات الاجتماعية التى حدثت خلال العقد الأخير، وكيف صعدت نماذج سيئة الفضاء الإلكترونى وسيطرت عليه، بينما فشلت مؤسسات رسمية فى فهم طبيعة التحولات الاجتماعية الحادثة فى البلاد، وكيف استطاعت ميليشيات السوشيال ميديا نشر الآفات الاجتماعية والإنسانية بين الناس فى ظل سباق محموم وعنيف نحو شرعنة قادة مرتادى الفضاء الإلكترونى للمجتمع وتوظيف وسائلها إما للانعزالية والفساد الأخلاقى والقيمى فيما يتعفف المثقفون وأصحاب الرأى السديد من الظهور أو استخدام وسائل التواصل الاجتماعى غير مدركين لخطورتها.
الغريب أن المؤسسات الثقافية والفنية التى لم تضطلع بدورها حتى الآن لم تدرك خطورة ما وصلت إليه العقول المصرية، ولا يبدو لى أنه يلوح فى الأفق ولادة أى نخبة ثقافية بديلة تستطيع أن تملئ الفراغ الذى تركه قادة الإبداع والفكر فى مصر بعد رحيل كثير منهم والتزام الباقى الصمت الأخلاقى ابتعادًا عن هذا المعترك.. الآن بات تكوين نخبة ثقافية فكرية تكون معنية بحماية الشخصية المصرية والهوية الوطنية أملًا مهمًا فى استعادة مصر لدورها الثقافى والفكرى مرة أخرى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض