خارج السطر
الكتاب فكرة أولا، ثم تخطيط ومحتوى ومعالجة ولغة. والفكرة الجديدة لافتة وجاذبة بقدر ما هى محفزة ودافعة للتفكر والتدبر والمحاكاة. لذا فإن كتاب «رحلاتى مع أوبر» الصادر عن المصرية اللبنانية للمهندس المصرى الأمريكى فادى زويل، يستحق التفاتًا واهتمامًا وقراءة.
فنحن جميعا نستقل التاكسى، أيًا كان اسمه (الأبيض، أوبر، درايف) وكثير منا يشغل وقته بالتحاور مع السائق مستفسرا عن الحال، الطرق الجديدة، رسوم الخدمات، وأحوال الكرة والرياضة، وربما غير ذلك. وفى ظروف معينة يحكى السائق حكايات إنسانية لافتة دالة على ظواهر جديدة أو تغيرات اجتماعية معينة. وقد قرأنا قبل عدة سنوات كتابًا مدهشًا بعنوان «تاكسى الخميسى» لخالد الخميسى تناول فيه حكايات سائقى التاكسى التى كان يتحاور معهم، لكن هذه المرة يقدم لنا فادى زويل حكايات ومحاورات مختلفة من مدن الشرق والغرب، فأينما سافر كانت هناك أوبر، فى القاهرة مثلما فى برلين، وكاليفورنيا، وباريس ودبى.
وفادى زويل مهندس مصرى متخصص فى الشبكات والاتصالات وحصل على الماجستير من جامعة تكساس آند إم، واستقر فى كاليفورنيا، وزار أكثر من ثلاثين دولة محاضرًا وخبيرًا ومشاركًا فى مؤتمرات دولية.
وينير لنا كتابة الحديث اختلافات الأدمغة والأفكار وتنوع الثقافات من مجتمع لآخر. ففى مصر مثلا يلتقى المؤلف بسيدة تقود أوبر، وتخبره أنها تعمل فى السر لأن أبناءها الذين تقوم بتربيتهم لن يقبلوا بعمل أمهم كسائقة، بينما يبدو من المعتاد أن تقود أوبر فى دبى وأوروبا سيدات وفتيات.
وتصلح أوبر أن تكون نافذة لمعرفة سلوك شعب ما، ففى طوكيو مثلا تعطلت ماكينة الفيزا الخاصة بالسائق، فاعتذر فى أدب للمؤلف وأخبره أنه يمكنه الذهاب حتى يلحق بعمله. لكن فادى زويل المصرى يندهش من الأمر ويقول للسائق إنه سيهبط إلى أقرب ماكينة فيزا لسحب قيمة الأجرة لدفعها، فيرد السائق شاكرا عرضه «إن هذا خطأ كبير لأنك فى دولة اليابان لم تستطع إجراء عملية دفع بنجاح من أول مرة وأنا أتحمل نتيجة هذه التجربة المؤسفة ولا يمكن أن أعطلك عن عملك للبحث عن النقود».
وفى أحيان أخرى يمكن أن يكشف الحوار أبعادًا سياسية غريبة، ففى سان فرانسيسكو يركب المؤلف مع سائق أفغانى فيسأله عن حركة طالبان فيقول إنهم مرتزقة، وأنهم يعملون لصالح أجهزة دول أخرى ويهتمون بالمال فقط، ويحكى له كيف كان مترجما للغة الإنجليزية قبل مجيئه أمريكا وعمل مع القوات الأمريكية وكان يسأل بعض المتهمين المقبوض عليهم من عناصر طالبان والقاعدة عن أركان الإسلام أو سورة الفاتحة وكانوا يجهلونها.
وهناك مُدن تتغير وتتبدل بسرعة ولا يمكن لأحد أن يلحظ ذلك إلا سائقو التاكسى، وليس أدل ذلك من التجول فى مدينة باريس لمشاهدة المد العربى وانتشار الحجاب بشكل كبير ربما يمثل فزعا لدى الفرنسيين أنفسهم. وتخبره سائقة مغربية بأن الأحياء العربية نتيجة الهجرات كبيرة ومزدحمة. واللطيف أن المؤلف كان يسير يوما فى شوارع باريس وضل طريقه وكلما سأل أحدا بالإنجليزية عن المكان الذى وصل إليه، لا يجيبونه، فاتصل بصديق له يعيش فى فرنسا وأخبره أن الناس لا تجيبه عندما يسألهم بالفرنسية، فقال له تحدث بالعربية. ففعل، وفوجىء بالجميع يردون عليه ويتحدثون معه ويعرضون أى مساعدة عليه.
والحكايات كثيرة وشيقة ودالة على تباين الشعوب والأجناس واختلاف الثقافات، لكنها تؤكد أيضا أن التقدم التكنولوجى يقوى الروابط ويزيد التقارب ويُرسخ السلام.
والله أعلم.
mailto:[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض