كنوز الوطن
الناس فى الذكرى صنفان، صنف إن غاب لم يفتقد لأنه لم يترك أثرًا ولم يكتب لنفسه ما يجعله مذكورًا أو باقيًا، وصنف إذا غاب ترك فراغًا وظلت ذكراه حاضرة طيبة، لأنه ترك ما يستحق أن يذكر له، والسفير حسن عيسى واحد من الذين نفتقدهم بعد غيابهم ليس فقط لأنه دبلوماسى مخضرم وصاحب تجارب وخبرات منحته قدرات تفاوضية كبيرة، وإنما لأنه كان صاحب رؤية، يجيد قراءة المشهد وتحليل المعادلات السياسية على المستويين الإقليمى والدولى وهذه مهارة لا يمتلكها إلا قليلون ولا أخفى أن كثيرًا من المواقف والتحالفات وسيناريوهات الأحداث العالمية وتعقيدات المشهد الدولى لم أعرف حقيقتها وخلفياتها ومن ورائها إلا من خلال السفير حسن عيسى، ولا أتذكر أنه قال شيئًا ولم يحدث أو توقع امرًا سياسيًا على المستوى الإقليمى والدولى ولم يتحقق، ولم يكن هذا طبعًا تنجيمًا وإنما علم وخبرة ومهارة تحليل لم أجدها إلا عند قليلين ولهذا لم يكن غريبًا أن يكون عيسى واحدًا من نجوم الدبلوماسية المصرية واحدًا علامتها البارزة، ولم يكن غريبًا أيضًا أن تجد مسيرته الدبلوماسية حافلة بالكثير من المواقع والمهام التى لا يتحملها أو يشغلها إلا صاحب مهارات خاصة، فقد كان، أول قنصل عام لمصر فى إيلات وشهد على خروج آخر جندى إسرائيلى من طابا أو من سيناء بشكل عام، وكان على رأس المفاوضين الدبلوماسيين المصريين خلال مفاوضات طابا مع الجانب الإسرائيلى، ولخبرته الكبيرة فى هذا الملف الشائك المعقد شغل منصب مدير إدارة إسرائيل بوزارة الخارجية وخلال فترة خدمته وبشهادات دبلوماسيين كبار قام بالعديد من الجهود فى خدمة الوطن وتحمل الكثير من اتهامات الخيانة والعمالة لأنه يتعامل مع الإسرائيليين بحكم عمله وطبيعة مهمته الدبلوماسية.
وبسبب هذه المهام تعرض عيسى لمحاولة اغتيال فى بيروت، حين كانت السفارة المصرية مهددة فى العاصمة اللبنانية خلال التوقيع على اتفاقية «كامب ديفيد».
تعرفت على السفير حسن عيسى فى إحدى دورات معهد الإذاعة والتليفزيون فى عام 2005 ووجدته أستاذا وطنيًا يمتلك القدرة على تحريك القلوب والعقول بعبارته الوطنية ولغته البسيطة ومنذ هذا التاريخ لم تنقطع علاقتى الشخصية به وشرفت كثيرًا بزياراته فى منزله أمام كوبرى الجامعة أو فى النادى الدبلوماسى ولم تنقطع علاقتى به إلا بوفاته فكان يجلسنى مع أسرته ويناقشنى فى كل قضايا الوطن ولأنه مُعلم كان ينصت إلى كثيرًا ويصحح لى الكثير من المفاهيم المغلوطة، بالإضافة إلى تشريفى بعضوية جمعية الشرطة والشعب لمصر التى كان رئيسا لمجلس إدارتها وشارك من خلالها فى عدد كبير من المؤتمرات الجماهيرية قبل ثورة «25 يناير» بين مسئولى أقسام الشرطة فى المحافظات المختلفة والمواطنين فى مبادرة من الجمعية لتحسين العلاقة بين الشرطة والشعب، إيمانًا منه بأهمية العلاقة الطيبة بين الطرفين واستفدت كثيرًا من هذه اللقاءات التى كانت تجمع الشخصيات العامة والوطنية وعددًا كبيرًا من الدبلوماسيين والسفراء المحبين لمصر.
ýكثيرًا ما كان يحدثنى عيسى عن تجربته مع الإسرائيليين وكيف كان يتعامل معهم بمنطق المهمة الوطنية التى كلف بها وعليه أن يتمها بما يحقق المصلحة المصرية ولذلك فأول ما فعله هو تعلم اللغة «العبرية» ليستطيع التعامل معهم وليأمن مكرهم وخطط خطاعهم فى المفاوضات التى انتهت باتفاقية طابا التى كان أحد الموقعين عليها.
ýرحل عنا السفير حسن عيسى قبل عشر سنوات وتحديدا ًفى شهر فبراير من العام 2012 عن عمر يناهز 74 عامًا، بعد حياة حافلة بالبطولة والعمل والدفاع عن تراب مصر لكن بقى فى ذاكرتى ما تعلمته منه.
رحم الله السفير حسن عيسى وبقت سيرته عطرة بين أبناء شعب مصر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض