رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

 

 

لا تصدق عبارات الخمود والسكون، ولا تُكرر التساؤل الانهزامى إن كنا سنحيا زمننا وزمن الآخرين، ولا تغلق دفتر الحياة، وتنعزل مع ذكريات الماضى، وضبابية المستقبل.

التقاعد ليس نهاية، وسن المعاش ليس خاتمة عمل، وبلوغ عمر ما لا يجب أن يعنى أى شىء محبط، فالخلق يمضى بما قدره الله عليه حتى آخر نفس فى رئتيه. وربما يمثل التقاعد بداية جديدة وطاقة نور منفتحة لأولئك الذين يمتلكون طاقات وطاقات كبدتها رتابة العمل المنتظم.

لقد تغيرت الصورة النمطية عن التقاعد خلال السنوات الأخيرة، ولم يعد الخروج إلى المعاش كابوسا مزعجا ينفر الناس منه، فيتمنون أن يتأجل إلى الأبد مثلما كان عليه الأمر فى الماضى. وأثبت رجال ونساء يعملون فى وظائف متنوعة، وبلغوا سن التقاعد أو خرجوا إليه بمحض إرادتهم مبكرا أن انتهاء العمل لا يعنى خفوت الأمل، بل يفتح الباب للتفرغ للإبداع مرة أخرى، فنجح بعض هؤلاء فى بعث أحلامهم المؤجلة بالتحقق إبداعيا فى مجالات حالت ظروف عملهم التقليدى دون المُضى فيها.

وإذا كان البعض قد استهدف بانخراطه فى أعمال إبداعية ممارسة نشاط مُحبب له لم يمارسه من قبل، فإن هناك آخرين استهدفوا ذلك، وزادوا عليه بتحويل العمل الإبداعى إلى عمل احترافى وتحقيق دخل مادى منه.

جورج ميشيل عزيز، موظف بالمعاش يقطن بحى مصر الجديدة بالقاهرة، يبلغ من العمر سبعين عاما، لمع اسمه مؤخرا فى صناعة عرائس الأطفال وقبعات البهجة الملونة يدويا، حتى صار أحد مشاهير فن الدُمى اليدوية. وحكى لـى أنه بدأ مشواره بعد بلوغه الستين وخروجه إلى المعاش مؤمنا بأن التقاعد لا ينبغى أن يكون نهاية العمل، وإنما بداية حقيقية لحلم ظل عقودا من الزمن مؤجلا نتيجة الإنشغال بالعمل.

لقد درس لعدة سنوات فى أوروبا، وتعلم أن الحياة مُتجددة دائما، وظلت هذه الفكرة تُسيطر عليه طوال عمله، فأخذ يُنمى إبداعاته فى صناعة العرائس اليدوية من الإسفنج حتى سيطرت الهواية عليه وأحبها محبة طاغية، فأبدع فيها وصار أحد نجومها اللامعين بعد خروجه إلى المعاش.

وفى بعض الأحيان تدفع المواهب والإبداعات المتنوعة التى تتوهج حينا لدى البعض إلى اتخاذ قرارات جريئة بالتقاعد مبكرا، والتفرغ التام للعمل الإبداعى.

الفنانة ليلى عز العرب، نموذج شهير لذلك الصنف الذى تحقق وظيفيا، حيث حكت لى أنها تخرجت فى كلية التجارة والتحقت مبكرا بالعمل المصرفى وحققت نجاحا عظيما فيه خاصة بعد حصولها على الدكتوراة فى الاقتصاد، حتى أنها وصلت إلى منصب مدير فرع لكنها كانت تشعر بأن حلم حياتها فى التمثيل لم يتحقق، وظلت بين الحين والآخر تترقب الفرصة للتيقن من إبداعها الفنى كممثلة. لذا، قررت أن تدرس التمثيل خلال أوقات فراغها، ثُم شاركت فى أدوار ثانوية فى بعض المسلسلات والأفلام، إلى أن شعرت فى النهاية بتقدير المحيطين لموهبتها، لتتخذ وقتها القرار الصعب بالتقاعد مبكرا من العمل ومواصلة الإبداع الفنى كممثلة وتقدم أدوارا عظيمة فى أفلام عدة أبرزها «عايز حقي» و«1000مبروك» ومسلسلات» الكبير قوي»،» حكايات بنات»،» رقم مجهول» و»هبة رجل الغراب».

وفى تصورى الشخصى فإن الإخلاص للعمل يمثل ضرورة أخلاقية فى المقام الأول، لكن ذلك الإخلاص لا يجب أن يتحول إلى انحسار وتقوقع فى الوظيفة وحدها دون أى اهتمامات حياتية أخرى. لا يجب أن يركن الإنسان إلى عمله فقط ويتصور أنه لصيق به وأبدى.لا يصح أن يؤمن أى شخص مهما بلغ من العمر أن قطار التحقق فاته، أو أن هناك سنا بلا أحلام مستقبلية. وعلى أى حال فمن اللازم أن يعيد الإنسان اكتشاف مواهبه، ويبحث داخل ذاته عن إبداعات مختبئة، ويفتش عن هوايات زارته صغيرا، وتناساها فى إنشغاله بالعمل الوظيفى.

والله أعلم

 

‏[email protected]